20-12-2023 | 06:00

التّونسيون بين الطّموح والإحباط بعد 13 عاماً

منذ 13 سنة خلت اندلعت موجة من الاحتجاجات الشعبية في تونس سرعان ما امتدت من المحافظات الداخلية إلى العاصمة، وانتهت بسقوط نظام بن علي بعد 23 عاما من الحكم. كانت تلك أول شرارة في سلسلة الأحداث التي شكّلت ما سمّي "بالربيع العربي".
التّونسيون بين الطّموح والإحباط بعد 13 عاماً
Smaller Bigger
 
منذ 13 سنة خلت اندلعت موجة من الاحتجاجات الشعبية في تونس سرعان ما امتدت من المحافظات الداخلية إلى العاصمة، وانتهت بسقوط نظام بن علي بعد 23 عاماً من الحكم. كانت تلك أول شرارة في سلسلة الأحداث التي شكّلت ما سُمّي "بالربيع العربي".
 
سقط النظام التونسي في  كانون الثاني (يناير) من 2011 لأنه لم يستطع مواكبة النسق التصاعدي لتطلعات مواطنيه. لم يفهم النظام في الوقت المناسب قاعدة تاريخية مهمة وهي أن الآمال المحبطة لدى الشعوب كثيراً ما تولّد ثورات وانتفاضات إذا ما فشلت الأنظمة الحاكمة في مسايرة وتيرة المطالبات بالتطوير والإصلاح.
 
تميزت السنوات الأولى التي تلت حصول البلاد على استقلالها والشروع في بناء مؤسسات الدولة الحديثة بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة بطغيان مشاعر التفاؤل على عامة التونسيين. نشوة الاستقلال والوعي بتواضع الإمكانيات جعلت الطموحات محدودة وضمنت للبلاد استقراراً وهدوءاً نسبيين مدة عقد أو أكثر من الزمن. لكن سقف الطموحات بدأ يرتفع تدريجياً بعد ذلك ومعه بدأت مؤشرات التململ والاحتجاج على سياسات السلطة، مثلما تجلى ذلك في الصدامات مع اتحاد الشغل سنة 1978 وتظاهرات الخبز سنة 1983.
 
لكن العامل الأهم كان انتشار التعليم وتأثيره على الأجيال الصاعدة التي أصبحت تؤمن بأن ارتياد المعاهد والجامعات سوف يوفر لها "مصعداً اجتماعياً" لا يتوقف نحو تحقيق آمالها، وذلك على قدم المساواة مع الجميع (أو هكذا كان يُفترض).
 
وزاد في مستوى الطموحات التحسن الفعلي للمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، بما جعل بعض القادة الغربيين يتحدثون عن "المعجزة التونسية"، وأصبحت البلاد تحلم بأن تصبح "سنغافورة شمال أفريقيا".
 
ولكن السرديات المفرطة في التفاؤل من قبل نظام الحكم زادت في حجم التطلعات زيادة غير واقعية، بما حملته من وعود بالمساواة التامة في الفرص ومن تأكيدات بأن طريق الالتحاق بالطبقة الوسطى أصبحت سالكة للجميع.
 
ولكن الوعود اصطدمت في أواخر سنوات حكم بن علي بتباطؤ نسق النمو الاقتصادي في ظل أزمة عالمية لم تنج منها البلاد. وتعززت صفوف الآلاف من العاطلين من العمل الذين لم يكن لهم مكان في الدورة الاقتصادية وعيل صبرهم من انتظار فرص لا تأتي.
 
وفي الوقت نفسه غابت الرغبة في تطوير الحياة السياسية وتوسيع رقعة الحريات عندما كان هامش الإصلاح متاحاً. وأضاع النظام على نفسه تبعاً لذلك القدرة على تنفيس التوترات المتراكمة.
 
وتآكلت مصداقية السلطة الحاكمة نتيجة الثورة الاتصالية التي أحدثتها الفضائيات والإنترنت والهواتف المحمولة. وأصبح المواطن البسيط في المدينة والريف يرى بأم عينيه مظاهر التطور والرفاه في الخارج ويقارنها بمستواه المعيشي المتواضع.
 
أما بالنسبة إلى النخبة فقد حملت قنوات الإعلام والاتصال الجديدة قراءات لواقعه المعيش تناقض التصورات التي سعى النظام إلى ترسيخها.
 
وخلال الفترة الأخيرة من حكم بن علي، أجّجت الرسائل والصور المتدفقة عبر القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت الشكوك في سياسات الدولة، خاصة بعدما أصبحت أصوات المعارضين الراديكاليين وصور التظاهرات والاحتجاجات والرسائل التحريضية ضد النظام تصل الجميع عبر المنصات الإلكترونية والتلفزيونات الأجنبية.
 
لكن ما مهّد السبيل للانتفاضات التي هزت أركان النظام، أكثر من تدهور المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، هو الإحساس في المناطق الداخلية بالضيم نتيجة اختلال التوازن بين الجهات على صعيد التنمية، وكذلك انتشار الشائعات وبرقيات ويكيليكس عن الإثراء السريع لأفراد من عائلة الرئيس.
 
سقط نظام بن علي في كانون الثاني (يناير) 2011 بعد أسابيع من الاحتجاجات. لكن سقوطه لم يقطع مع الخيبات. ولم تتوصل الحكومات المتعاقبة بعد ذلك التاريخ للاستجابة لتطلعات التونسيين رغم طول انتظارهم لتحقيقها، إذ ركزت هذه الحكومات على "انتقال ديموقراطي" متعثر وغفلت عن ضرورة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي.
 
لكن كل تلك الخيبات لم تجعل التونسي اليوم أقل طموحاً. بل إن طموحه يبدو راسخاً إلى حد العناد.
 
لم يعد أحد يقبل بالفقر والعوز قدراً محتوماً، وذلك مهما كانت الجهة أو الطبقة الاجتماعية التي ولد فيها، أو يقبل بغياب مقومات الحياة الكريمة تحت أي مسمى، أو يرضى بالانتظار إلى ما لا نهاية له من منطلق "وخلقناكم درجات" أو "القناعة كنز لا يفنى".
 
لم يعد أحد يكتفي بمجرد الكفاف. وأصبحت "الضروريات" تشمل العديد من المرافق والحاجيات التي كانت تُعَدّ في السابق من الكماليات، إلى حد أن الأُسر أصبحت تتداين من أجل توفير أفضل الظروف التعليمية لأبنائها وبناتها سواء بتأمين الدروس الخاصة لهم أو بدفع الرسوم في المدارس الخاصة أو بإرسالهم للدراسة في الخارج.
 
ما زال هناك حتى اليوم رفض للتفاوت الجهوي والطبقي، وتوجّس من الفساد بمختلف أشكاله. وما زالت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية صعبة بل هي تفاقمت كثيراً من عديد الأوجه.
 
لكن ما الذي تغير إذاً حتى يستتب الهدوء، أو هكذا يبدو على الأقل، رغم استمرار الأزمات وخيبات الأمل؟
 
الجواب هو أن التونسي أرهقته المطبات السياسية والإخفاقات الاقتصادية المتتالية، وأحبطه عدم تحسن أحواله بعد موجات الاحتجاج ضد السلطة خلال انتفاضات 2010-2011 وما بعدها.
 
ما حدث بالخصوص خلال العشر سنوات التي تلت سقوط نظام بن علي (والتي وصفت بعد يوليو 2021 "بالعشرية السوداء”) هو أن الكثيرين فقدوا الثقة في السياسة والسياسيين كطوق للنجاة من الأزمات. وأضحى الناس المحبطون يبحثون عن حلول فردية خارج السياسة لأوضاعهم. 
 
نشأ عند التونسيين كذلك وعي بمحدودية الإمكانيات المتواضعة للدولة وللبلاد عامة. والأزمة المالية الحادة للدولة ليست سراً بالنسبة إليه. وهو يراها بوضوح من خلال الطوابير التي يقف فيها انتظاراً لدوره في الحصول على السكر والقهوة والحليب والطحين التي كثيراً ما تنقطع إمداداتها في الأسواق.
 
إضافة إلى ذلك خفّ الاحتقان نوعاً ما بعدما أصبحت سلطة الحكم نفسها ترفع شعارات التصدي للتمييز بين الجهات والتفاوت الطبقي وتدعو بإلحاح شديد لمقاومة الفساد. وبعض الهيئات مثل المنتدى الاقتصادي والاجتماعي (غير حكومي) ترى علاقة بين سياسات الدولة في ظل حكم قيس سعيد وانحسار الحركات الاحتجاجية. وهي تصف تلك السياسات "بالاحتواء الناعم".
 
والطموح الذي لا يزال يحدو مشاعر التونسيين ليس في حد ذاته مشكلاً. بل هو يمكن أن يشكّل دافعاً نحو المبادرة والإنجاز. ولكنه يمكن أيضاً أن يصبح في أي وقت عاملاً من عوامل التوتر والاحتقان، إذا ما استمر البون شاسعاً بين المأمول وما توفره البلاد لأهلها من إمكانيات وآفاق.
 
والسياسة الحكيمة لأي نظام، في أي مكان أو زمان، لا يمكن أن تنبني على المراهنة على قدرة المواطن غير المتناهية على الصبر والاحتمال. من الأسلم أن تراهن على الإنجاز وتستبق المطبات قبل أن تحدث.
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية