لماذا اختفت أحزاب المعارضة الجزائريّة من الميدان؟
عجزت أحزاب المعارضة عن لعب الدور المطلوب منها والمتمثل أساسا في فتح النقاش مع المجتمع المدني ومختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والخبراء في التنمية من أجل إيجاد الحلول ثم ممارسة الضغوط على الإدارة المركزية وفروعها عبر المحافظات والبلديات التي يتجاوز تعدادها 1548 بلدية لتفعيل تلك الحلول ميدانيا والتصدي للعراقيل البيروقراطية التي ما فتئت تنب مثل الطحالب باستمرار.
مرّ على وصولي إلى الجزائر شهران كاملان ولم يلفت نظري أي نشاط جدي ملموس يذكر لأحزاب المعارضة الجزائرية التي يبدو واضحاً أنها صارت زاهدة بالعمل السياسي الميداني الجدي.
أثناء لقاءاتي العفوية بعدد كبير من المواطنين والمواطنات البسطاء، سألتهم عن رأيهم في اختفاء هذه الأحزاب اختفاءً دراماتيكياً، وكان الرد الجماعي الحاسم هو أن وجود هذه الأحزاب في غرف الإنعاش السياسي أو في مخيمات انتظار الانتخابات الموسمية أمر غير مهم بالنسبة إليهم، لأنها تعيش، أولاً، حالة انسحاب نفسي وتقوقع سياسي، وبذلك صارت غير معنية بالقضايا الحساسة التي تهم الشعب الجزائري عبر الجزائر العميقة، من جهة، ولأنها لا تملك ثانياً أي بدائل لمصلحة الشرائح الشعبية في مجالات البطالة والرواتب الشهرية والثقافة والمنظومة التعليمية والتنمية الاقتصادية، من جهة أخرى، وبالتالي فإن مواقفها من معاناة المواطنين من غلاء المعيشة الفاحش وعدم حل مشكلة البطالة المزمنة حلاً جذرياً تتميز بالسلبية، وغالباً ما يكتفي هذا الفسيفساء الحزبي بالصمت، وبخاصة في السنوات الثلاث الأخيرة بعد انتكاسة الحراك الشعبي واختفائه من المسرح السياسي أيضاً.
في هذا السياق، يطرح مراقبون سياسيون جزائريون الأسئلة التالية: لماذا اختفت هذه الأحزاب المعارضة من المشهد السياسي، سواء أكانت أحزاباً محسوبة على التيار الإسلامي مثل حزب "حركة مجتمع السلم" (حمس) أم شبه يسارية مثل حزب العمال، وحزب القوى الاشتراكية، أم ذات توجه ثقافي مثل حزب "التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية"، أم ذات مضامين أيديولوجية باهتة تفتقد وضوح الهوية مثل أحزاب "التجمع الجزائري"، و"جبهة المستقبل"، و"طلائع الحريات"، و"التجمع الجزائري" وغيرها. وهل يعني هذا الاختفاء من الميدان نهاية أحزاب المعارضة جملة وتفصيلاً أم أنها تبحث فقط عن فرص لتلتقط أنفاسها ثم تخرج من العتمة إلى مسرح الحياة السياسية؟
في تقدير الملاحظين السياسيين، فإن حال أحزاب المعارضة الجزائرية يمكن تفسيره بأثر رجعي، إذ إن من الواضح أن وضع أحزاب المعارضة الجزائرية الراهن بات يشبه كثيراً وضع الأحزاب السياسية الجزائرية في عهد الاحتلال الفرنسي، ومنها حركة انتصار الحريات الديموقراطية، والتي قال عنها مصطفى الأشرف، أحد الزعماء الخمسة للثورة الجزائرية: "هذه الأحزاب ما لبثت أن أخذت تصادف عراقيل في انطلاقتها، وأصبحت مهددة في وجودها الشرعي..."، وذلك بسبب كون "مركز اهتمامها منصباً بالدرجة الأولى على الانتخابات، ما جعل نشاطها يتركز حول أهداف محدودة ومشكلات ثانوية، وهكذا أصبحت الحاجة ماسة إلى التجديد في الطرائق والكفاءات البشرية، بالرجوع إلى القاعدة الشعبية، ولكن شيئاً من هذا لم يحصل، وجراء ذلك فقدت الدفع الثوري الذي انطلقت به، وصار عملها عقيماً".
لقد أكدت لي مشاهداتي الميدانية في عدد من محافظات الشمال الجزائري، مثل الجزائر العاصمة وضواحيها وبجاية وتيزي وزو والبويرة وبومرداس، أن الأوضاع الاجتماعية الصعبة لأفراد المجتمع الجزائري صارت أكثر حدّة، ولا يبدو في الأفق أي حل جذري لها، وبخاصة غلاء المعيشة والإيجار وجوانب أخرى ذات صلة بالدخل الضعيف لعائلات الفلاحين والعمال الذين يشكلون أغلبية السكان.
في هذا المناخ السلبي عجزت أحزاب المعارضة عن لعب الدور المطلوب منها والمتمثل أساساً في فتح النقاش مع المجتمع المدني ومختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والخبراء في التنمية، من أجل إيجاد الحلول ثم ممارسة الضغوط على الإدارة المركزية وفروعها عبر المحافظات والبلديات التي يتجاوز تعدادها 1548 بلدية، لتفعيل تلك الحلول ميدانياً والتصدي للعراقيل البيروقراطية التي ما فتئت تنبت مثل الطحالب باستمرار. وفي الحقيقة فإن أحزاب المعارضة الجزائرية فشلت حتى الآن في المساهمة في إطلاق مشاريع التنمية التي يفترض أنها المفتاح القادر على فتح مغالق المشكلات الكبرى التي ما فتئت تثقل كاهل المواطنين منذ دخول الجزائر في وحل العشرية الدموية التي تسببت في إنشاء التعددية الحزبية الشكلية في ثمانينات القرن الماضي فصاعداً.
ثمة مشكل عويص يعرقل مسار الحياة السياسية الجزائرية ويتمثل في الأغلبية الصامتة في تلك العلاقة غير المتكافئة بين أحزاب المعارضة والنظام الحاكم ومختلف أجهزته، وهنا ينبغي القول إن السلطات الحاكمة هي التي تقرر مصير كل ما يتعلق بالخدمات الاجتماعية، والإسكان، والاقتصاد والتعليم والثقافة والعلاقات الخارجية وهلم جرا، والدليل على هذا هو أن النظام الحاكم تمكّن من إعادة نسخ أسلوب الحزب الواحد الذي كان سائداً في عهد التعددية الحزبية، كما تمكن من فرض سيطرته الكاملة على صنع القرارات المختلفة وتنفيذها، ومن الاستحواذ على منظومة الحوكمة عن طريق إقرار مجموعة من التشريعات التي تضمن له احتكار الحكم.
ونتيجة لهذا لم تقدر الأحزاب الجزائرية المعارضة، منذ ظهورها على المسرح السياسي الوطني، على القضاء على العناصر المشكّلة لقسمات هذا الوضع، وفي المقدمة صلاحيات النظام الرئاسي شبه المطلق الذي تعمل به الدولة الجزائرية.
ويلاحظ أن أحزاب المعارضة الجزائرية تتحرك داخل أقفاص الصمت، وبذلك ضيعت زمام المبادرة أمام هيمنة قوالب النظام الرئاسي المعمول به في الجزائر والذي يقدم رئيس الجمهورية إلى الرأي العام الوطني على أنه ليس ممثلاً لهذا الحزب أو ذاك الآخر، ووفق هذه الصيغة يصبح رئيس الجمهورية صاحب القدرة الكلية ومالك مفاتيح تعيين المسؤولين على رأس الوزارة الأولى والوزارات والسفارات والمؤسسات الوطنية المحورية في المدن الكبرى وعبر الجزائر العميقة معاً، ولقد أفضى هذا إلى فقدان العمل الحزبي فاعلية المعارضة التي هي جوهر التعددية الحزبية حقاً.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/3/2026 12:35:00 AM
أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
اقتصاد وأعمال
4/30/2026 9:14:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان اليوم
لبنان
5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".
لبنان
5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
نبض