شيء عن مصائد المغفّلين
فكرة "اليوم التالي" التي أطلقها فريق بايدن مبكرا، تقوم في جوهرها على الانتصار الحاسم والسريع لجيش الاحتلال، هناك، في اليوم التالي، سيتم تقرير مصير غزة والضفة من دون العودة الى الفلسطينيين، وإعادة "تأهيل" السلطة في رام الله ...الى آخر هذه الأفكار القائمة على تغييب أي دور للفلسطينيين والاكتفاء بتوزيع المصائر وتدوير واقع الاحتلال والحصار.
احتاج الرئيس الأميركي جو بايدن إلى السير حافياً عبر طريق التفافي طويل ومعقد حتى يصل إلى تصريحاته في اجتماع ضيق لممولي حملته الانتخابية المتعثرة، الاجتماع ضم بعض الداعمين اليهود، رغم أنه جمهور مأمون كان بحاجة إلى بنية تحتية متماسكة لتحصين صوغ جمل سريعة في نهاية خطابه تنتقد حكومة بنيامين نتنياهو.
قبل يومين من الاجتماع عاد للتذكير بهويته الصهيونية، الطوعية، وتكرار التزامه الراسخ بدعم إسرائيل وحمايتها، واستعاد من جديد جملته الكئيبة حول أنه "لو لم توجد إسرائيل لكان على أميركا أن تخترعها"، يمكن هنا احتساب التسريبات التي نشرتها صحيفة "الواشنطن بوست" نقلاً عن دائرة الرئيس بشأن ارتباطه العاطفي بإسرائيل، والتزامه المطلق غير الخاضع للمساومة تجاه اليهود، وفي استطراد أوردته الصحيفة حول عواطف الرئيس، وضّح "المقربون"، رغم شبهة العنصرية التي تفوح من فكرة المقارنة، أن الفلسطينيين لا يتمتعون بتعاطف الرئيس بالقدر نفسه الذي يحصل عليه اليهود، أو أنه، في سياق أوسع، يتعاطف مع الكثير من الناس ولكن بشكل أقل مع الفلسطينيين.
كان عليه أن يحصن نفسه بكل هذا التاريخ الشخصي، لكي يطلب من نتنياهو إجراء تعديل لتقوية حكومته والتقليل من تأثير إيتمار بن غفير ورفاقه وزج فكرة غائمة حول "حل الدولتين"، محذراً من ثلاثة أخطار متلازمة؛ خسارة أميركا مركزها الأخلاقي في العالم بسبب دعمها الحرب الإسرائيلية على غزة، والخطر الأكيد الذي يحدق باليهود وخسارة إسرائيل الدعم العالمي بسبب القصف العشوائي للناس في غزة.
بالنسبة إلى الدوائر السياسية المطلعة ومداولات الغرف المغلقة، لا يبدو أن ما قاله الرئيس يشكل انعطافاً أو تغييراً في موقف الإدارة الأميركية، لقد كان يقول ذلك عبر مبعوثيه من وزير الخارجية بلينكن إلى وزير الدفاع أوستن، وهو ما سيقوله جيك سوليفان الذي بدأ زيارة لإسرائيل أمس الخميس، وما ستردده نائبته هاريس، بحسب صحيفة "بوليتكو"، عن ضرورة "أن تبدي الإدارة حساسية أوضح تجاه الضحايا المدنيين الفلسطينيين" و"ضرورة التصرف بحزم أكثر مع نتنياهو". الأمر يدور حول اقتلوهم بطرق أقل ضجة، استخدموا قنابل أكثر دقة، أدخلوا شاحنات مساعدات أكثر قليلاً، وتحدثوا أثناء ذلك عن أي شيء سياسي، حل الدولتين مثلاً.
خلال هذه الأحاديث التي أخذت شكل النصائح طوال أكثر من 70 يوماً، قتل نحو 20 ألف فلسطيني وجرح نحو 50 ألفاً، وثمة آلاف تحت حطام البيوت والأحياء المدمرة في قطاع غزة، ودخل الجوع الذي لا يحتاج إلى "معابر" كل شوارع القطاع وتمدد في مراكز الإيواء المرتجلة لمئات آلاف الغزيين من شمال بيت حانون إلى جنوب رفح، وتدفقت الأوبئة من تحت الأنقاض والمياه الفاسدة وتجولت في الحطام، حطام المدن وحطام الناس.
خلال هذه التصريحات الغائمة يتواصل الجسر الجوي- تجاوز الأسبوع الماضي 200 طائرة- المحمل بالذخائر وقذائف الميركافا، والقنابل الارتجاجية تدفقه من المخزون الاستراتيجي للجيش الأميركي مباشرة إلى القوات العاملة فوق وحول أحياء غزة وداخلها.
الرئيس الذي تصرف مثل ماكينة كراهية منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، وتبنى رواية رجل بن غفير حول قطع رؤوس الأطفال اليهود، ورواية نتنياهو المحدثة حول حرقهم وأخيراً رواية اغتصاب اليهوديات وأعاد سردها كحقائق على مسمع الشعب الأميركي ومسامع العالم، وشكك في أعداد ضحايا الفلسطينيين من دون أن يرف له جفن، الرجل لم يتغير ولم يغير موقفه ولم يهبط درجة واحدة من السلم، إنه ببساطة قلق على إسرائيل، وعلى سوء إدارة حكومتها "الأكثر يمينية" في تاريخها، بحسب تعبيره، وثمة شيء من عدم الرضا على أداء الجيش الذي لم يتمكن من إنجاز "المهمة"، وها هو يطوي اليوم السبعين من دون أن يتمكن مجلس الحرب في تل أبيب من توفير البضاعة.
سيكون من السذاجة تلقف هذه التصريحات الهشة المنزوية والملقاة خارج التيار العريض لسياسة الرئيس وإدارته، وبناء مواقف وسياسات واتصالات على هشاشتها، مثل الهرولة خلف شعار "اليوم التالي".
فكرة "اليوم التالي" التي أطلقها فريق بايدن مبكراً، تقوم في جوهرها على الانتصار الحاسم والسريع لجيش الاحتلال، هناك، في اليوم التالي، سيتم تقرير مصير غزة والضفة من دون العودة إلى الفلسطينيين، وإعادة "تأهيل" السلطة في رام الله ... إلى آخر هذه الأفكار القائمة على تغييب أي دور للفلسطينيين والاكتفاء بتوزيع المصائر وتدوير واقع الاحتلال والحصار.
"اليوم التالي" أقرب إلى مصائد المغفلين، شيء تافه ولامع لتوريط بعض المتسرعين والخائفين، ثم البناء على خوفهم، التصريحات الأخيرة لبايدن هي اللمعة التي أضيفت إلى لا شيء ولكنها ستستدرج بعض الخائفين، هذا حدث سابقاً مع الأشخاص أنفسهم تقريباً.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض