12-12-2023 | 16:27

قراءة في السّياسات الجزائريّة حيال أفريقيا

تميَز المشهد السياسي والدبلوماسي الجزائري خلال هذا الأسبوع بمجموعة من التحركات ذات الطابع الأفريقي، وذلك في إطار السياسات الخارجية التي يسعى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى تجسيدها قبل دخول البلاد في خضم مرحلة الاستعدادات للإنتخابات الرئاسية التي ينتظر أن تجرى بعد عام ونيف.
قراءة في السّياسات الجزائريّة حيال أفريقيا
Smaller Bigger
تميّز المشهد السياسي والدبلوماسي الجزائري خلال هذا الأسبوع بمجموعة من التحركات ذات الطابع الأفريقي، وذلك في إطار السياسات الخارجية التي يسعى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى تجسيدها قبل دخول البلاد في خضم مرحلة الاستعدادات للانتخابات الرئاسية التي ينتظر أن تجرى بعد عام ونيف.  
 
ففي السابع من الشهر الجاري، اعتُمد اقتراح الجزائر للصناعة والاستثمار في أفريقيا في اجتماع مجلس وزراء منطقة التجارة الحرة للقارة الأفريقية، وفي هذا الخصوص صرّح وزير التجارة الجزائري الطيب زيتوني لوسائل الإعلام الوطنية، مبرزاً أنه "تقرر رفع هذا المقترح إلى الاجتماع القادم لمجلس وزراء التجارة الذي سينعقد في جنوب أفريقيا للمصادقة عليه والاعتماد نهائياً على الصيغة التي اقترحتها الجزائر". 
 
ولقد اهتم الإعلام الرسمي الجزائري أيضاً بالمحادثات التي أجراها هذا الوزير في تنزانيا في التاريخ المذكور آنفاً مع وزيرة التجارة التنزانية أشاتو كيجاجا حول واقع التجارة وآفاقها بين البلدين، مع التركيز على القطاعات الصناعية والفلاحية والصناعية والخدماتية ومواد البناء والصيدلة.
 
ومن جهة أخرى، التقى الوزير الجزائري ياسين المهدي وليد المكلف قطاع اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمصغرة وزراء أفارقة يمثلون كلاً من تونس وجنوب أفريقيا وجيبوبي، وتم التباحث معهم بشأن "تنسيق التشريع المسير للمؤسسات الناشئة بين البلدان الأفريقية"، وذلك بهدف "الحصول على اعتراف متبادل بالنظام القانوني للمؤسسة الناشئة مع العمل على التنسيق بين السياسات العمومية في هذا المجال، اعتماداً على نماذج تتماشى أكثر مع الواقع الاقتصادي الأفريقي".
 
ويلاحظ أن هذه اللقاءات الجزائرية المكثفة بعدد من صنّاع القرار السياسي في البلدان الأفريقية المذكورة وغيرها، تسعى إلى إذابة صقيع الجمود الذي أصاب السياسات الجزائرية السابقة التي غلب عليها في عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة النكوص إلى الداخل لمعالجة آثار الصراع المسلح وكدماته بين النظام الجزائري والجناح المسلح لجبهة الإنقاذ الإسلامية، وذلك على حساب سياسات تفعيل التعاون والشراكة مع الدول المشكّلة للعمق الأفريقي.
 
رغم أهمية هذا النشاط الدبلوماسي الجزائري الحالي في القارة الأفريقية، يرى بعض المراقبين السياسيين الجزائريين أن المضمون الاقتصادي والخدماتي والفلاحي والصناعي للمحاولات الجزائرية الساعية إلى تشكيل الحضور في القارة الأفريقية يبقى عملاً جزئياً وانتقائياً، ولا ينتظر أن يحدث تحولاً نوعياً إذا لم يتم تأطيره ثقافياً وتعليمياً وإعلامياً ومؤسساتياً، فضلاً عن ضرورة جعله مرتكزاً لعلاقات وطيدة بين مختلف روابط المجتمع الجزائري وجمعياته وأحزابه ونظيراتها الأفريقية.
 
وفي الحقيقة، فإن الجزائر غابت غياباً دراماتيكياً عن أفريقيا مدة طويلة، وبخاصة بعد تورط البلاد في الصراعات السياسية والمسلحة طوال ما يدعى في الأدبيات السياسية الجزائرية بالعشرية الدموية التي عزلت الجزائر عن العالم الخارجي أكثر من أي وقت مضى. 

في هذا السياق، يعتقد هؤلاء المراقبون السياسيون أنه لا يمكن أن تكون الزيارات الدبلوماسية التقليدية وطقوس توقيع بعض البروتوكولات ذات الصلة بالتبادل التجاري الشكلي بديلاً للشراكة الاقتصادية والتجارية الحقيقية الغائبة حتى الآن، أو للتكامل الثقافي والإعلامي ولكل ما له صلة عضوية بالرأسمال الروحي. 
 
وفي الواقع، هناك بصيص أمل يلمع في الأفق حالياً، ويتمثل في المبادرة الأكاديمية التي يقوم بها حالياً الفريق المسؤول عن سير بيداغوجيات المدرسة الوطنية الجزائرية العليا للعلوم السياسية، إذ تم تأسيس مختبر للدراسات والأبحاث الأفريقية في رحابها تحت إشراف رئيس هذه المؤسسة ونائبته ومدير هذا المختبر، وينتظر أن يشرع هذا الأخير قريباً في إطلاق مجلة دورية متخصصة وهي بعنوان "مجلة الدراسات الأفريقية". 
 
وفي هذا الخصوص، اتصلت بنائبة رئيس المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية الدكتورة كلثوم بن دادا، وأكدت لي أن "فكرة إنشاء مختبر الدراسات والأبحاث السياسية في أفريقيا ترجع إلى سنتين قبل اعتماده رسمياً بتاريخ 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2018، وذلك بعد إجراء بحوث ودراسات في الشأن الأفريقي، إذ تم حينذاك تسجيل ملاحظات عدة تتعلق بكون الجزائر لها باع كبير في الشأن الأفريقي بداية من العمل الوحدوي في إطار منظمة الوحدة الأفريقية وأهدافها السياسية، والمساهمة في تحرير الشعوب الأفريقية ومساندة قضاياها العادلة، فضلاً عن جهود الدبلوماسية الجزائرية في القارة الأفريقية ودورها في العمليات التنموية الأفريقية، وأهمها وثيقة النيباد، بالإضافة إلى البرامج التنموية المعتمدة في ظل الاتحاد الأفريقي، وكذا دور الجزائر من حيث المساعدات والإعانات والوساطة في فض النزاعات للدول الأفريقية. إلى جانب ذلك، فقد تم إنشاء هذا المختبر لتجاوز عدم الاهتمام من قبل في المجال الأكاديمي بالدراسات الأفريقية، وكذا غياب الدراسات الميدانية والإصدارات العلمية ذات الصلة بالدراسات الأفريقية في الجزائر". 
 
ولقد أسندت إدارة مختبر "الدراسات والأبحاث الأفريقية" إلى الأستاذ الدكتور عبد الحفيظ جبابلية الذي حدثني أيضاً عن الآفاق المستقبلية لهذا المختبر، والمتمثلة باختصار شديد في ربط الجزائر بالعمق الأفريقي على أساس ترسيخ الأركان الحضارية المشتركة وتطويرها.
 
وتضيف الدكتورة بن دادا أن أهداف هذا المختبر والمجلة التي ستصدر عنه تتلخص، على سبيل الذكر لا الحصر، في "تعميق البحث الأكاديمي الأفريقي، وفهم التحديات الراهنة للبلدان الأفريقية وتقصيها واستشرافها لتنوير صنّاع القرار بما يخدم توجهات السياسة الوطنية، وتشجيع الإنتاج الفكري الجزائري الذي يهتم بالشأن الأفريقي للتنوير وتوفير المراجع لطلبة العلوم السياسية ضمن التخصص في العلاقات الدولية، والمساهمة في تنوير المهتمين بالشأن الأفريقي والعلاقات الجزائرية الأفريقية، والترويج للتعاون الأفريقي - الأفريقي على المستوى الأكاديمي، ومتابعة وتأطير طلبة الدكتوراه في الأعمال البحثية والأطروحات وتطوير قدراتهم في ميدان الدراسات الأفريقية، وفي هذا السياق يهدف المختبر إلى إنجاز إسهامات فكرية ورقية وإلكترونية في شكل كراسات ومجلة دورية سعياً إلى خلق نخبة جزائرية تعمل على بناء استراتيجية جزائرية واضحة وسليمة تجاه أفريقيا".
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة