13-12-2023 | 05:15

هل لا تزال تونس بحاجة إلى القطاع الحكومي؟

من حين الى آخر، مثلما هو الحال هذه الأيام، يطلق أصحاب شهادات الدكتوراه العاطلين من العمل في تونس تحرّكات احتجاجية، مطالبين الدولة بتشغيلهم.
هل لا تزال تونس بحاجة إلى القطاع الحكومي؟
Smaller Bigger

من حين الى آخر، مثلما هو الحال هذه الأيام، يطلق أصحاب شهادات الدكتوراه العاطلين عن العمل في تونس تحرّكات احتجاجية، مطالبين الدولة بتشغيلهم.

من المؤلم أن ترى العشرات من الدكاترة يفترشون الأرض في اعتصامات أمام الوزارات والمؤسسات الحكومية، أو يمشون مسافة 140 كيلومتراً حفاة من إحدى مدن الساحل التونسي نحو رئاسة الحكومة في العاصمة، مثلما فعلوا منذ أيام، في تظاهرة احتجاجية قال منظّموها إنّها تحاكي مسيرة المهاتما غاندي ضدّ ضريبة الملح في آذار (مارس) 1930 في الهند. وشتان بين الحالتين.

لكن من المؤلم أكثر من ذلك، أن تعجز الجامعات ومؤسسات البحث العلمي التونسية عن تشغيل النخبة الأكاديمية للبلاد، وأن ينصبّ بالتالي تفكير الكفاءات العليا على المناكفات مع السلطة ومحاولة مغادرة البلاد.
 
حاولت الحكومة منذ سنوات حلحلة المسألة بتشغيل بضع مئات من بين الآلاف منهم، لكن المشكلة بقيت تكرّر نفسها كل عام، لأنّ جذورها في الحقيقة أعمق.

هؤلاء الجامعيون، مثل أكثر من ثلث خرّيجي الجامعات التونسية، عالقون بين مطرقة عجز الدولة عن ملاءمة التعليم الجامعي مع سوق الشغل، من جهة، وعجزهم هم عن تصوّر مخرج لأنفسهم خارج الوظائف الحكومية، من جهة أخرى.

بقيت العقليات في كثير من الحالات في تونس أسيرة أوهام، كان من المفترض أن تكون بددتها جملة الأزمات التي لا تزال تواجه الدولة، وفي مقدّمها الأزمة المالية الخانقة التي تدفع الدولة نحو الحدّ من تشغيل الموظفين، ومزيد من الاستدانة الداخلية والخارجية من أجل سدّ عجز موازنتها وتسديد الفوائد على ديونها الخارجية التي حلّت آجالها.

الوهم الأول، هو أنّ لدى الدولة عصا سحرية أو ثروات لا تنضب تمكّنها من توظيف كل العاطلين من العمل. وقد أجّجت هذا الوهم استجابة الحكومات المتعاقبة بعد 2011 لمطالب التشغيل للكثير من الحركات الاحتجاجية، رغم أنّ الإدارات الحكومية تشغّل نحو 700 ألف موظف، وتستنفد اعتمادات مالية قياسية مقارنة بموازنات كل بلدان العالم. وزادت الطين بلّة، سياسات الغنيمة والمحاصصة في ظلّ حكومات كان همّها الوحيد ربح الوقت وإرضاء المحتجين.

والمفارقة الكبرى، هي أنّ القطاع الحكومي وإن تضخّم عدد موظفيه على مدى السنين، فقد تراجع أداؤه في غياب الإصلاح الإداري الفعلي وتفاقم القيود البيروقراطية وسوء التصرّف، إذ تضافرت المطالبات النقابية النشطة مع غياب الرؤية الواضحة والجرأة لدى أصحاب القرار، لكي تعرقل كل محاولات تحديث القطاع الحكومي والمؤسسات التي تتبعه.

وفي الوقت نفسه، غابت عقلية العمل والمبادرة عن معظم مفاصل الإدارات الحكومية، بحكم تقاليد وقوانين تعاقب من يعمل ويبادر، وتكافئ من يجتنب تحمّل أي مسؤولية.

ما هو أسوأ من ذلك، هو أنّ الدولة تخلّت تدريجياً عن الخدمات الأساسية التي كانت توفّرها إداراتها ومؤسساتها للمجتمع.

تخلّى النقل العمومي تدريجياً عن مهمّاته، فاختفت الباصات وتوقفت خطوطها المنتظمة عن العمل إلى حدّ كبير. وتطورت شبكة المترو الأرضي ببطء شديد بعدما أضاعت الدولة منذ عقود فرصة إنجاز مترو أنفاق عندما كان ذلك خياراً متاحاً.

وتداعت البنية التحتية الاستشفائية، وأصبحت الدولة عاجزة عن تجديد التجهيزات اللازمة في المستشفيات التي أضحت طاردة لأطبائها وممرضيها.

أضحت ظروف الدراسة والتعليم في المدارس والمعاهد والجامعات الحكومية صعبة جداً، وانعكس ذلك سلباً على مستوى الخرّيجين، وأصبحت إضرابات المدرسين واحتجاجاتهم كابوساً يؤرق الأولياء.
 
تدهورت الخدمات في مختلف هذه المجالات وغيرها نتيجة ضمور الموازنات المخصّصة لها وغياب الخطط الحكومية اللازمة لمواكبة حاجات المجتمع المتزايدة، ما جعل شرائح كبيرة من الناس (قد تكون الأغلبية) تعيش في ضنك دائم بسبب غياب الخدمات الأساسية أو تدهورها.
 
أصابت البنية التحتية لقطاعات النقل والصحة والتعليم وغيرها، درجة كبيرة من الإهمال والتداعي، وهي أوضاع يصرّ الرئيس قيس سعيد على إبرازها من خلال زياراته الميدانية المتكرّرة ومعاينته لها أمام وسائل الإعلام.

من ناحية أخرى، بدّدت الأزمة المتفاقمة أوهاماً كانت تراود جانباً من النخبة السياسية والاقتصادية للبلاد منذ ثمانينات القرن الماضي. كان البعض منها يتخيّل أنّ القطاع الخاص قادر على تعويض القطاع الحكومي على صعيد توفير الخدمات العمومية الأساسية. تخيّلات مردّ البعض منها إلى نظريات "نيوليبرالية" تؤمن إيماناً مثل إيمان العجائز باقتصاد السوق. انتهت هذه النظريات في نهاية المطاف إلى طريق مسدود. وبدأت المصاعب تتراكم تدريجياً خلال آخر سنوات نظام بن علي، ما ساهم إلى حدّ كبير في انهيار هذا النظام وفي ترسيخ جملة من مظاهر الخلل التنموية تتواصل إلى اليوم.

تبخّرت معظم تلك الأوهام، إذ لم يكن من الواقعي أن يمتلك كل مواطن سيارة بشكل يعفيه مؤونة التنقل بالباصات والمترو. ولم يكن من الواقعي أن يتخيّل أحد أنّ المصحات الخاصة قادرة على تعويض المستشفيات العمومية، أو أنّ التعليم الخاص يمكن أن يحلّ محل التعليم العمومي في تكوين الأجيال الصاعدة.

وازداد البون اتساعاً بين عقيدة السوق والواقع الاجتماعي المتدهور، نتيجة انحسار الطبقة الوسطى وارتفاع معدلات الفقر خلال العقد الماضي. وتبعاً لذلك هجرت أعداد متزايدة من المواطنين القطاع الخاص، بعدما أضحت عاجزة عن تحمّل تكلفته، فيما زادت حاجة الأغلبية الساحقة - بمن فيها من كان يُحسب على الشرائح الميسورة - إلى الخدمات العامة.

وفي الأثناء، خفتت الأصوات الداعية إلى خصخصة كل شيء، وأصبحت الحاجة إلى الإصلاح الجذري للقطاع الحكومي - وبخاصة أوضاع مؤسساته المثقلة بالديون - قضية عاجلة أكثر من أي وقت مضى. وتزايدت القناعة في الوقت نفسه، بأنّ هذا الإصلاح لا يمكن أن يتمّ في ظلّ تابوهات إيديولوجية تحاول رسم خطوط حمر، تصبّ كلها في اتجاه الوهم نفسه بأنّ للدولة إمكانات لا تنضب.

لم تعد الدولة في الواقع قادرةً على تحمّل أعباء كل الشركات الحكومية المفلسة أو شبه المفلسة. يقول أحد التقارير إنّ المساعدة التي توفّرها الدولة للشركات الحكومية العاجزة عن تحقيق توازناتها المالية تناهز 3 مليارات دولار، أي ما يفوق 9 في المئة من الناتج القومي الخام.

لذا، فإنّ إصلاح القطاع الحكومي ومؤسساته المترهلة يفرضه اليوم الواقع المالي والاقتصادي للبلاد، قبل أن يفرضه صندوق النقد الدولي.
 
إضافة إلى تدارك وضع القطاع الحكومي، تحتاج البلاد إلى تحفيز الدور الحيوي الذي يجب ويمكن أن يلعبه القطاع الخاص نحو تحقيق الانتعاشة الاقتصادية المنشودة، وتشغيل الكفاءات وتحرير المبادرة الاقتصادية من عقالها.

لكن ذلك لن يتمّ من دون إصلاح جبائي يستجيب لمنطق العلاّمة ابن خلدون (الذي أنجبته تونس في القرن الرابع عشر) والقائل بأنّ إثقال كاهل التاجر أو الصناعي بالضرائب يحبط عزمه على العمل والإنتاج ويضرّ باقتصاد الدولة.

يحتاج القطاع الخاص أيضاً إلى تيسير إجراءات الصرف والاستثمار وتخفيف ترسانة القوانين المفروضة عليه والتي تحوّلت إلى قيود مجحفة.

غير أنّ أهل القطاع الخاص يحتاجون هم أنفسهم إلى اكتساب عقلية جديدة، لا ترى في التهرّب الجبائي والممارسات الجشعة أمراً عادياً أو مشروعاً. وترى في دفع الضريبة واجباً وطنياً يضمن تمويل الدولة للخدمات العامة التي يحتاجها المواطنون. كما أنّ القطاع الخاص في حاجة إلى عقلية تأخذ في الاعتبار، بالإضافة إلى الوازع الربحي، مسؤولية أصحاب رأس المال تجاه المجتمع في المجالات كافة.

أياً كانت الاعتبارات الظرفية، فلن تنتفي الحاجة إلى القطاع الحكومي وخدماته الأساسية. ولن ينتفي الدور الذي يستطيع أن يلعبه القطاع الخاص، بوصفه القاطرة الحقيقية التي يمكن أن تدفع اقتصاد أي دولة نحو النماء و الازدهار.

لكن لا القطاع الحكومي ولا القطاع الخاص يمكن أن يؤديا دورهما الصحيح إذا لم تتبدّد نهائياً الأوهام التي أدّت إلى انخرام التوازنات المالية للدولة، وتكبيل طاقات الخلق والمبادرة لدى التونسيين.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية