09-12-2023 | 05:20

الحضور الفاعل للثقافة السعودية في "إكسبو 2030"

فوز السعودية بتنظيم معرض "إكسبو 2030"، إثر حصولها على 119 صوتاً من مجمل 180 عضواً في المكتب الدولي للمعارض، حدث استثنائي، ليس على المستوى الاقتصادي والسياحي وحسب، بل الثقافي أيضاً،
الحضور الفاعل للثقافة السعودية في "إكسبو 2030"
Smaller Bigger

فوز السعودية بتنظيم معرض "إكسبو 2030"، إثر حصولها على 119 صوتاً من مجمل 180 عضواً في المكتب الدولي للمعارض، حدث استثنائي، ليس على المستوى الاقتصادي والسياحي وحسب، بل الثقافي أيضاً، لأنّه يُظهر التغيّرات المتسارعة في المجتمع السعودي، وأيضاً سيدفع نحو مزيد من الوعي بالآخر والذات في آن معاً. وعي سيجعل الفرد السعودي أكثر قبولاً للزوار القادمين إلى المملكة، بمختلف ثقافاتهم وأديانهم، من دون الشعور بـ"الصدام الحضاري" بين الأفكار المختلفة، وهو أمر يُحدث تغييرات بنيوية في العقل الفردي والجمعي معاً، ويمهّدُ لبناء سردية جديدة يُعيد عبرها السعودي تشكيل هويته، والنظر إليها بوصفها هوية منفتحة، غير منغلقة ولا جامدة.
 
في الوقت ذاته، سيكون المجتمع السعودي أكثر شجاعة في تقديم ذاته، غير خجلٍ أو متردّد من سرد أفكاره وتاريخه للآخرين، فهو يجد دولته اليوم في طليعة الدول التي تعمل على الإصلاح والتنمية والاستثمار في بناء دولة مدنية حديثة. وما المشاعر الجياشة التي عمّت وسائل التواصل الاجتماعي، أو مظاهر الفرح التي سادت في شوارع أكثر من مدينة سعودية وساحاتها، لمناسبة الفوز بتنظيم "إكسبو 2030"، إلا دليل على "الثقة الوطنية" التي بات الإنسان السعودي يشعر بها، ولذا، يُقدّم نظرته الخاصة للمستقبل إلى العالم من دون الشعور بأنّها ترّهاتٌ يثرثر بها فردٌ من العالم الثالث!
 
السعودية اليوم هي دولة ضمن أقوى 20 اقتصاداً في العالم، ومصدر رئيس للطاقة، وأحد الفاعلين الرئيسيين في توازن أسعار النفط، وأيضاً، محطة جذبٍ لمشاريع تنموية واقتصادية وصناعية بمليارات الدولارات، ومن يزور العاصمة الرياض أو المشاريع الحديثة التي يجري العمل عليها في نيوم والبحر الأحمر والقدية والعلا جيزان، وتطوير المشاعر المقدّسة في المدينة المنورة ومكة المكرمة، وأيضاً عمليات التحديث في جدة وأبها والخبر وبقية المدن، سيجد أنّ ورشة العمل هذه ليست مجرد تحسينات آنية، أو مشاريع موقتة لجلب رؤوس أموال خارجية على المديين القصير والمتوسط، بل هي جزء من "رؤية 2030" التي أساسها التغيير البعيد المدى، القائم على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والإداري والثقافي، من دون أن ننسى الإصلاح الديني الذي يتمّ بهدوء وبعيداً من الإثارة، كونه يتطلّب صبراً وتقديم تصوّر جديد لمفهوم الدين ودوره في الحياة.
 
لقد عانى المجتمع السعودي لعقود خلت من سطوة تيارين دينيين أساسيين: الجماعات الإرهابية التكفيرية، و"الإخوان المسلمون" في نسختهم المحلية "السرورية"؛ وتُضاف اليهما تيارات أخرى متحالفة معهم أو منافسة لهم، وجميعها تشترك في رؤيتها الضيّقة للدين، ورفضها للحداثة، ورغبتها في تقديم رؤية جذرية تقوم على الفصل بين النساء والرجال ومنع الموسيقى والسينما والمسرح والفنون، أي الحدّ من البهجة والانطلاق في الحياة؛ ما جعل جزءاً من الشباب السعودي يتورط في مساندة جماعات إرهابية أو يروّج لأفكارها!
 
هذه الأفكار المعادية للمدنية، اتخذت الحكومة السعودية إجراءات صارمة لكبح تطرّفها، ومنع استخدام المساجد أو الأماكن العامة للترويج لخطابات الكراهية والتطرّف، ما دفع المتشدّدين إلى التراجع، خصوصاً أنّ من مارسوا التحريض على العنف تمّت محاسبتهم قانونياً وصدرت بحقهم أحكام قضائية.
 
إذن، الإجراءات التصحيحية للفكر الديني، هيأت المجال أمام تعزيز الحرّيات الفردية ومزيد من التحرّر الفكري من سطوة رجال الدين، وهو ما جعل السعوديين اليوم قادرين على أن تكون لديهم القدرة على استضافة مناسبات رياضية مهمّة مثل: كأس العالم للأندية 2023، بطولة العالم للفورمولا 1 2024، كأس أمم آسيا 2027، إكسبو 2030، كأس العالم 2034 وسواها، وهي ليست مجرد مسابقات رياضية، بل لها انعكاسها الاجتماعي – الثقافي العميق على السلوك وأنماط التفكير!
 
"إكسبو 2030"، الذي سيُقام في الرياض، كان شعاره 6 سعفات نخل، كل واحدة منها بلون وشكل مختلف، ترمز إلى: التراث، العلوم، التقنية، الطبيعة، العمارة، الفنون.
 
سعفات النخيل، جزء من البيئة السعودية في مختلف مناطقها، وكانت قبل الطفرة النفطية مصدر قوة وصناعة محلية، يؤكل تمرها، ويُستخدم سعفها وليفها في صناعة البيوت والمستلزمات، وكانت رمزاً للثبات في حرّ الصحراء، والصبر أمام الرياح العاتية في الأجواء المغبرة، وأيضاً المصدر المهمّ للطعام الذي كان يؤكل مع الحليب أو اللبن أو السمن!
 
هذا الاتكاء على رمزية النخلة، يشير إلى التشبث بالأرض من جهة، واعتزاز بمكون رئيس من البيئة المحلية، من دون الخجل من أن تكون السعودية التي تعمل على التحديث والتمدن، على علاقة جيدة مع قيمها التي ورثتها من الأجداد.
 
اختلاف ألوان السعفات، هو أيضاً رسالة على أنّ هذه الدولة التي لها جذر واحد، هي أيضاً متعددة في ثقافاتها، لهجاتها، مذاهبها، عاداتها الاجتماعية وحتى مطبخها؛ وهذا التعدّد هو اليوم مصدر قوة وثراء، وليس مصدر تشرذم أو صراع كما كان يروّج له المتشدّدون سابقاً.
 
هذه الأبعاد الثقافية المهمّة، هي ما يفسّر وجود وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن فرحان، والمندوبة الدائمة للمملكة في اليونسكو الأميرة هيفاء المقرن، في الوفد السعودي الذي اشتغل على ملف "إكسبو 2030"، وضمن الحضور أثناء الإعلان النهائي، لأنّهما معنيان مباشرة بالجانب الثقافي لـ"إكسبو 2030"، وأيضاً لكون الثقافة رافعة أساسية لعملية الإصلاح والتغيير، ولا يمكن تحقيق أي نمو اقتصادي مستدام أو تطوير إداري في مؤسسات الدولة دون تنوير ثقافي.
 
الأمير بدر بن فرحان، وفي تعليق له على استضافة الرياض "إكسبو 2030"، أكّد أنّ المعرض "سيمثل نافذة عالمية مهمّة لمشاركة ملايين الزوار من جميع أنحاء العالم ثقافتنا الأصيلة وتنوعها المذهل في مختلف القطاعات الثقافية"، وهي الرؤية ذاتها التي تحدثت عنها أيضاً الأميرة هيفاء المقرن، عندما قالت: "العالم سوف يأتي إلينا، وسيطَّلع على ثقافة المملكة وشعبها وشبابها، وسيكون شريكاً مع الرياض في دفع عجلة التنمية، ستكون فائدة للجميع"، أي أنّ "الثقافة" ركنٌ أساسٌ في الحدث، وليست أمراً طارئاً أو تكميلياً، لوعي الحكومة السعودية بأنّ التأثير الثقافي المتبادل، هو مفتاح رئيس للتواصل مع الشعوب والدول.
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.