رأي: الوعي المتزايد بالصحة النفسية أسوأ ما حدث لنا في السنوات الماضية.
حلّ عيد ميلاد إحداهن، واحتجن إلى معجزة لتحقيق رغبتها بالتجمّع في حصّة تدريبية في أحد معامل الفخار، فأكثر الصديقات أصبحن أمهات، وثمة من يعملن في مدن أخرى، ومن ينهمكن بالماجستير والدكتوراه، ومن تزدحم جداول مواعيدهن بمتطلبات مرحلتهن العمرية، فهذه ستخضع لفحوص طبية، وتلك ستتبضع لشهر.
لمّ شملهن كان أشبه بتجميع فيكتور فرانكشتاين للأشلاء البشرية المتفرقة ليشكّل منها المسخ.
دخلن المعمل بحماسة الأطفال إذ لم يعدن يجتمعن إلاّ بشق الأنفس، ليستقبلهن مقعد خاوٍ. اتصلت صاحبة الشأن بالصديقة المتغيّبة - وهي دائمة التغيّب - فكان هاتفها مغلقاً. وحينما ردّت بعد أيام، اتضحت الأزمة العويصة.
إنّها أزمة الـ Therapy speak، أو استخدامنا الجائر للمفردات والمصطلحات المُتلقّفة من علم النفس.
عزت المتغيّبة تخلّفها المستمر عن اللقاءات إلى حاجتها لـ"الاعتناء بصحتها النفسية"، وهي عبارة تزداد إبهاماً كلما دنونا منها، فلا هن يخبرننا ما خطب صحتهن النفسية، ولا كيف يعتنين بها. ذكّرتها صاحبة الشأن كم كان حضورها ليبهجها ويعني لها، إضافة إلى ما استلزمه التجمّع من تضحية مهولة بوقتها كأمّ وربّة منزل، والأسابيع التي قضتها في التفاوض وإعادة الجدولة.
وهنا، تدفّق سيل عرمرم من المصطلحات المتفذلكة. قالت المتغيّبة بأنّها "ليست مدينة لأي أحد بشيء"، خصوصاً رفقتها الثمينة، وإنّها قطعاً "ليست مسؤولة عن سعادة الآخرين". ألا يُفترض بهذه العبارات أن تكون درعاً واقية ضدّ الغرباء لا المقرّبين؟
اعتبرت استياء صاحبة الشأن من تخلّفها دلالةً على "النرجسية". تشخيص خطير ستلاحظون أنّه بات يمرّ مرور الكرام في عصرنا الحالي. "وبصراحة؟ هذه الصداقة سامّة، ولم تعد تلبّي أولويات صحتي النفسية".
حاولت صاحبة الشأن الدفاع عن نفسها، فلم ترَ أنّها بالغت في غضبها من النمط السلوكي المتكرّر. "أنتِ شخص يستحيل الاعتماد عليه".
وكان الردّ حاسماً، "ويحك، هذا تنمّر". أي تلاعب عاطفي Gaslighting.
وبالطبع، انتهى الحوار بأن قرّرت المتغيّبة "وضع الحدود لحماية صحتها النفسية". ولأترجم لكم، فالمقصود قطع الصداقات.
انتشرت هذه "التشكيلة الجاهزة" من المفردات والمصطلحات النابعة من علم النفس لتخلق لنا أفراداً معفيين من تحمّل مسؤولية أفعالهم، أو الإيفاء بوعودهم، أو تلبية التوقّعات والواجبات المناطة بهم في العلاقات والصداقات، طالما رفعوا راية "الصحة النفسية"، ونثروا كلمات مخيفة مثل "صدمة"، حتى لوصف إضاعتهم لجوربهم المفضل!
لم يعد أحد منا مضطراً إلى الإقرار بأنّه مؤذٍ، مخيب للظن، متخاذل، جبان، بأنّه الجاني لمرّة، لا المجني عليه كما يعتقد دائماً. أو أن يبدي أدنى قدر من التقبّل وغض النظر عن عيوب الآخرين، أو التحمّل لانتقاداتهم وعتابهم، فهم سامون بالضرورة.
والأهم أنّه لا حاجة بنا إلى أن نعلنها، "أخطأت، قصّرت، فشلت". إذا تخلّينا عنك، وعاملناك بأنانية، فلا يسعك إلاّ لوم "نمط التعلّق" لديك، أو تضارب "لغة الحب" بيننا.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض