06-12-2023 | 05:35

هل الإنكليزيّة هي الحلّ في تونس؟

صدر قبل أسابيع قليلة التقرير السنوي للمؤسسة الدولية "التربية أولاً" عن مستوى إتقان اللغة الإنكليزية في العالم. وفاجأ الكثيرين أن تحتل تونس المرتبة الأولى عربياً (أمام لبنان والإمارات والمغرب والجزائر ومصر) رغم غياب مؤشرات واضحة إلى تطور مستوى إتقان هذه اللغة في البلاد.
هل الإنكليزيّة هي الحلّ في تونس؟
Smaller Bigger
صدر قبل أسابيع قليلة التقرير السنوي للمؤسسة الدولية "التربية أولاً" عن مستوى إتقان اللغة الإنكليزية في العالم. وفاجأ الكثيرين أن تحتل تونس المرتبة الأولى عربياً (أمام لبنان والإمارات والمغرب والجزائر ومصر) رغم غياب مؤشرات واضحة إلى تطور مستوى إتقان هذه اللغة في البلاد.

يشاطر هذا الرأي الكثير من خبراء التربية واللغات اعتباراً لما يرونه من مستوى تعليمي غير مرضٍ للغة الإنكليزية في المدارس الحكومية.

يقول هؤلاء إن درجة كفاءة دارسي اللغة الإنكليزية في الجامعة لا تزال دون المطلوب، بل هم يتحسرون عما كان عليه مستوى الطلبة في التسعينات من القرن الماضي.
 
وهم يرون أن المشكل اليوم يكمن أساساً في المستوى المتدني لتعليم الإنكليزية في المرحلة الثانوية للتعليم الحكومي، وفي توجيه التلاميذ من ذوي المعدلات المتوسطة في نهاية تعليمهم الثانوي نحو التخصصات اللغوية في الجامعة، ومنها الإنكليزية، فيما يتم توجيه التلاميذ الأكثر تفوقاً نحو التخصصات العلمية والتكنولوجية.

وطلبة هذه التخصصات هم بالتالي أكثر إتقاناً للإنكليزية من غيرهم، وهم الأكثر إصراراً على تطوير مستوى كفاءتهم في هذه اللغة باعتبارها لغة البحوث في مجالات العلوم والتكنولوجيا.

أما الجانب الأهم فهو غياب الإصلاحات التعليمية من أجل تطوير مستوى الكفاءة في الإنكليزية خلال السنوات الأخيرة. ولم تسجل أي جهود ملموسة تظهر اهتماماً خاصاً بالإنكليزية سوى بعض برامج تعاون مع عدد من الهيئات التعليمية الأجنبية، وهي برامج لم تغير شيئاً في الوضع.

وثمة من يرى أن تصنيف تونس في طليعة بلدان المنطقة (بحسب تقرير "التربية أولاً") لا يعني الكثير في حد ذاته، إذ هو يعكس فقط عدم تطور مستوى إتقان اللغات الأجنبية، وبخاصة الإنكليزية في المنطقة العربية قبل كل شيء.

ولا تزال هناك بالتأكيد أشواط كبيرة على التونسيين قطعها لتحقيق مستوى يدعو حقاً إلى الارتياح. فقد جاء ترتيب تونس الـ63 فقط من جملة 113 دولة في العالم. ولم تحتل سوى المرتبة السادسة على صعيد القارة الأفريقية، إذ سبقتها خمس دول ناطقة بالإنكليزية في القارة هي جنوب أفريقيا وكينيا ونيجيريا وغانا وأوغندا.

كما ينتقد بعضهم منهجية التقرير الدولي لأنه يساوي بين البلدان ذات التقاليد الراسخة في استعمال اللغة الإنكليزية كلغة أولى أو لغة رئيسية والدول التي تستعملها كلغة ثانية أو ثالثة. لكن التقرير يبقى رغم كل شيء مقياساً مفيداً لمستوى إتقان الإنكليزية وتطور اهتمام الحكومات والمجتمعات بهذه اللغة.

رغم كل هذه الملاحظات والاحترازات، فإن من الثابت أن ثمة اهتماماً متزايداً لدى شرائح واسعة من المجتمع التونسي، وبخاصة منه الشباب، باللغة الإنكليزية. وثمة أيضاً تطور ملموس في مستوى إتقان هذه اللغة لا ترصده المدارس والمؤسسات الحكومية التي لم تحاول خلال السنوات القليلة الماضية لعب دور ملموس في تحقيق مثل هذا التطور أو تحفيزه.

أصبحت هناك قناعة لدى الكثيرين بأن في تحسين مستوى اللغة الإنكليزية طريقاً سالكة للحصول على فرص أكبر داخل البلاد وخارجها.

من هذا المنطلق تدفع أعداد متزايدة من الأسر أبناءها وبناتها نحو المدارس الخاصة، وذلك لتجاوز نقائص التعليم الحكومي في عديد المجالات، ومنها تعليم اللغات الأجنبية. ودأبت المدارس الخاصة منذ سنوات على تدريس الإنكليزية منذ السنوات الأولى للتعليم. وشكل ذلك عامل جذب نحو المؤسسات التعليمية الخاصة وساهم في نشوء نخبة أكثر إتقاناً للإنكليزية من االتلاميذ المتخرجين في المدارس الحكومية. نتج من ذلك توسيع الهوة بين خريجي منظومتي التعليم الحكومي والخاص على مستوى المهارات اللغوية وفرص دخول الجامعات الأجنبية وإطلاق المشاريع الناجحة والتميز في البحوث العلمية.

إضافة إلى ذلك، يتوجه الكثير من الشباب بمحض إرادتهم إلى مسالك موازية للتدريب والتعليم خارج المسالك الرسمية. فخريجو المعاهد والجامعات الحكومية يعرفون أن مستواهم على صعيد إتقان الإنكليزية غير كاف، لذا هم يقصدون المؤسسات التعليمية المتخصصة (مثل معهد بورقيبة للغات الحية، وهو أكبر مؤسسة عمومية متخصصة في تدريس اللغات)، أو يلتحقون ببعض المراكز الخاصة التي توفر حلقات تدريب على اللغات، وعياً منهم بأن امتلاك ناصية الإنكليزية يعطي مصداقية أكبر لشهاداتهم ويحسّن من فرص تشغيلهم في الداخل والخارج، كما يزوّدهم بوسيلة إضافية للتعمق في الدراسات والبحوث.

وتمثل الهجرة إلى الخارج دافعاً إضافياً لتعلم الإنكليزية ومختلف اللغات الأجنبية. فثمة إقبال من الراغبين في الهجرة على مراكز التدريب اللغوي، وبخاصة تلك التي تدرس الألمانية والإيطالية، وثمة أيضاً في هذا النطاق نفسه إقبال على الإنكليزية بوصفها تمثل نافذة وجسراً نحو العالم الخارجي. الكثيرون ينظرون إلى الإنكليزية على أنها المفتاح لأبواب الشغل في بلدان العالم غير الفرنكوفونية، سواء كانت في أوروبا أو في أميركا أو حتى بلدان الخليج.

خارج المدارس ومراكز التدريب تكتسب الأجيال الصاعدة الدربة على اللغة الإنكليزية عفوياً عبر شبكة الإنترنت والمنصات الإلكترونية وما تبثه الشبكات التلفزيونية الأجنبية من برامج وأفلام بالإنكليزية.

كل هذه العوامل ساهمت في توسيع انتشار اللغة الإنكليزية في المجتمع، حتى إن غفلت الدولة عن لعب دور محوري في هذا المجال إلى حد الآن.

ثمة اهتمام مماثل بالإنكليزية في بعض دول الجوار إذ أصبح موضوع تعليمها شاغلاً للدولة والمجتمع في الجزائر والمغرب. وتدعم السلطات هناك سياسات تعليمية ترمي إلى جعل اللغة الإنكليزية لغة أجنبية ثانية بموازاة الفرنسية. بل ثمة في البلدين من يدعو إلى جعلها اللغة الأجنبية الأولى.

قد يفسر ذلك ما أشار إليه تقرير "التربية أولاً" من أن "منطقة شمال أفريقيا شهدت تطوراً مطرداً خلال العقد الماضي (على مستوى إتقان الإنكليزية)، وإن كان نسق التحسن تباطأ نوعاً ما سنة 2021".

من الواضح أن هناك إرادة رسمية لتعزيز مكانة الإنكليزية في البلدين. وقد تكون التوترات السياسية بين كل من الرباط والجزائر مع باريس ساهمت في هذا التطور، بالإضافة إلى إحساس البلدين المغاربيين بالحاجة موضوعياً إلى اللغة الإنكليزية من أجل تعزيز قدرتهما التنافسية في مجالات التجارة والأعمال والاستثمار، وفي رغبتهما في تطوير التواصل مع سائر بلدان العالم خارج القيود التي يفرضها الاعتماد المطلق على الفرنسية.

حتى وإن كانت التوترات بين تونس وفرنسا أقل وضوحاً من تلك التي ميزت علاقات المغرب والجزائر بباريس، فإن العلاقات التونسية - الفرنسية ليست في أوجها هذه الأيام. وما هو ثابت حتى خارج الإطار الرسمي هو تراكم المؤشرات إلى تزايد الجفاء الثقافي واللغوي بين البلدين. صحيح أن اللغة الفرنسية لا تزال هي اللغة الأجنبية الأولى في تونس، لكن الميول الفرنكوفونية انحسرت خلال الأعوام الأخيرة انحساراً انعكس على مستوى إتقان اللغة الفرنسية. وقد يزيد مستواها وانتشارها انحساراً في المستقبل لأسباب عدة، من بينها التشدد الفرنسي في منح التأشيرات وفي التعامل مع الهجرة. بالإضافة إلى ذلك هناك أطراف سياسية وأيديولوجية تريد تسوية حساباتها مع فرنسا عبر المسألة اللغوية.

وفي الظرف الحالي، يلاحظ ازدياد النفور من فرنسا لدى قطاعات واسعة في تونس (وحتى في الجزائر والمغرب) ترى تحيزاً صادماً لدى النخبة الحاكمة ووسائل الإعلام في فرنسا حيال حرب غزة.

رغم كل شيء، هل يمكن أن يشكل تعزيز مكانة اللغة الإنكليزية جزءاً من الحل الذي تنشده تونس لتجاوز أزماتها؟

ذلك عنصر مهم في معالجة أزمة التعليم عامةً. وتطوير مستوى الكفاءة في اللغة الإنكليزية لن يتسنّى دائماً خارج نطاق معالجة الإشكالية اللغوية في تونس، وهي إشكالية حقيقية وإن تجاهلها الكثيرون. فدرجة إتقان التلاميذ والطلبة للغة موليير قد تدنت في الوقت الذي لم تتطور فيه المهارات الشفوية والكتابية باللغة العربية، وغابت فيه الاستراتيجيات الحكومية اللازمة لتعزيز مكانة اللغة الإنكليزية.

ويمكن أن يشكل تعزيز مكانة الإنكليزية ذلك عاملاً إيجابياً بكل تأكيد، إذا كان يدخل ضمن استراتيجية تعليمية تجعل اللغات الأجنبية تواكب تطور المجتمع وسعي طاقاته الشابة إلى النجاح وتستجيب لحاجة البلاد إلى تعزيز وتنويع علاقاتها الاقتصادية مع الخارج في ظل عالم يتغير.

لكن اكتساب مهارات أفضل بالإنكليزية لن يمثل عصا سحرية ولا كذلك إهمال اللغة الفرنسية كلغة أجنبية لاعتبارات ظرفية.

الاعتماد الأفضل على اللغة الإنكليزية يجب أن يكون ضمن مقاربة تحديثية للمنظومات التي انبنت عليها مسارات التطوير والإنماء في الداخل وفي إطار تشخيص هادئ لمصلحة تونس في مختلف أوجه علاقاتها بالخارج. عندها قد تكون الإنكليزية جزءاً من الحل.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية