مؤلمة جداً الصور الواردة من غزة، مؤلمة إلى حد لا يُحتمل. نساء يستغثن ولا من مغيث، وأطفال يندبون آباءهم وأمهاتهم وأشقاءهم وشقيقاتهم وكأن حشرجات أصواتهم صراخ في برية، فلا من يسمع ولا من يُستنخى وينجد. تفطر القلب تلك الصور، ولو كان للحجر والرمل أن ينطقا لبكيا من هول هذا القتل الوحشي الفظيع.
مخجل ومريع صمت العالم إزاء الجريمة المتمادية بحق المدنيين في غزة. هي حرب على "حماس" في الظاهر والمعلن، لكنها في الحقيقة حرب على المدنيين الآمنين، أطفالاً ونساءً تحديداً، وهما العنصران الأضعف والأقل قدرة على الاحتماء وتجنب الموت النازل من الجو على شكل صواريخ وقنابل عنقودية وفوسفورية ومسمارية ولهيب نار.
تشن إسرائيل حرباً لا هوادة فيها ولا فترات "استراحة"، تأتي الصواريخ مباشرة من الطائرات والسفن الأميركية التي يرسلها جو بايدن وحلفاؤه إلى الدبابات والطائرات والمدافع الإسرائيلية لتسقط على المباني المكشوفة، لا يهم نوعها، أكانت سكنية أو مستشفيات أو مراكز إيواء أو مدارس أو مخيمات صفيح.
الحرب على مدنيي غزة هي حرب عدادات. تعد إسرائيل عدد البنايات المهدمة وعدد الأطفال الذين تقتلهم وعدد النساء وعدد الرجال، لتقدم كشفاً بـ"إنجازاتها" يوم تقديم جردة حساب للإسرائيليين عما فعلته في هذه الحرب. كلما كبر العدد انتشى زعماء إسرائيل بالدم المسفوك.
منذ شهرين يموت الفلسطينيون في غزة في اليوم ألف ميتة، يصلبون، وتقطع أجسادهم إرباً إرباً، ويردمون تحت الباطون المسلح ويدفنون بأكفان وبلا أكفان. يجوعون ويعطشون ويرتجفون برداً ورعباً ويتألمون وحدهم منتظرين الموت الآتي على جناح طائرة أو من فوهة مدفع، صراخهم يملأ الدنيا، لكن العالم يدير لهم الظهور والآذان والعيون. أفّ ما أقسى الضمير العالمي وما أعماه وما أخرسه وما أظلمه. بل ما أشد وحشيته ووحشية السياسة الدولية عندما يصبح الإنسان رخيصاً إلى هذا الحد، وتصبح حياته مجرد رقم كرقم البناية أو الشارع أو الملجأ الهش الذي هرب إليه.
لا شيء، لا شيء على الإطلاق يبرر كل هذا التوحش في قتل الأطفال، فلا هم مقاتلون في "حماس" ولا هم يحملون قنابل وبنادق. منذ شهرين والأطفال الفلسطينيون في غزة خارج الحياة، ما عادوا يعرفون كيف هي الحياة، قُتلت ذاكرتهم ولن يبقى فيها إلا هذا الرعب وهذا الهول. سيمر وقت طويل جداً قبل أن يعودوا إلى الحياة، هذا إذا أبقتهم القنابل على قيدها. إنها المجزرة الخالصة، والعالم المتواطئ يتفرج.
كأن الفلسطيني ولد فقط ليموت، ليكون مختبر تجارب للأسلحة الفتاكة، من دون أي ذنب سوى أنه صاحب حق، والعالم الكذاب ليس مع الحق. لقد اخترعوا ميثاقاً عالمياً لحقوق الإنسان، لكنهم لم يؤمنوا به أبداً ولا يطبقونه إلا عندما يريدون شن حروبهم أو إخضاع معارضيهم، فيتهمونهم بخرق حقوق الإنسان. شرعة حقوق الإنسان هذه مجرد خرقة في نظر القوى الكبرى التي أشرفت على وضعها لا تُستحضر ولا يُفرض احترامها إلا على الضعفاء، وإسرائيل ليست منهم.
الفلسطيني ليس له حقوق، لقد سُلبت منه يوم سُلبت أرضه وبيته ومدينته وقريته وبستان الليمون وكرم الزيتون، يوم أنكر العالم المتمدن المتحضر وجوده من أصله في جريمة تاريخية موصوفة لن تنتهي مفاعيلها أبداً.
يصل أنين الوجع إلى عنان السماء، فلا السماء تتحرك ولا أهل الأرض يسمعون، ويبقى الفلسطيني يصرخ مذبوحاً حتى "يصفي" دمه، فيما العالم يتابع حياته فيرقص ويغني ويلعب كرة القدم ويقيم الاستعراضات. ما أفظع ما يجري في غزة وما أفظع هذا الانفصام في ضمائر العالم.
ماذا سيقول العالم لأطفال غزة إذا انتهت الحرب وبقي منهم أحياء؟ لا، بل ماذا سيقول هؤلاء الأطفال للعالم إذا خرجوا من هذه الحرب؟ الأكيد لن يرموه بوردة، فهذا العالم لا يستحق الورود.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض