05-12-2023 | 05:40

ما هي جدوى دعوة "التجمّع الوطني الديموقراطي" إلى مراجعة قانون الأحزاب الجزائري؟

دعا حزب "التجمّع الوطني الديموقراطي" الجزائري الموالي للسلطة، يوم السبت الماضي، إلى مراجعة قانون الأحزاب من أجل جعله متناغماً مع أحكام دستور 2020.
ما هي جدوى دعوة "التجمّع الوطني الديموقراطي" إلى مراجعة قانون الأحزاب الجزائري؟
Smaller Bigger
دعا حزب "التجمّع الوطني الديموقراطي" الجزائري الموالي للسلطة، يوم السبت الماضي، إلى مراجعة قانون الأحزاب من أجل جعله متناغماً مع أحكام دستور 2020. ويرى مراقبون سياسيون أنّ هذه الدعوة تعني ضمنياً أنّ هذا الحزب قد أصبح يلجأ الآن إلى لغة التلويح بالاقتراحات الشكلية، ما يعني أنّه بدأ يفقد نفوذه الذي كان يتمتع به داخل أجهزة النظام الحاكم، عندما كان رئيسه الفعلي عبد القادر بن صالح على قيد الحياة، حيث لم يعد بعد رحيل هذا المؤسس يملك القدرة على التمترس بقوة في خندق النظام الحاكم، وعلى مشاركة أجهزة الرئاسة والبرلمان في صنع القرارات السياسية والتشريعية، رغم امتلاكه عدداً من النواب في البرلمان بغرفتيه السفلى والعليا.
 
 
كما هو معروف، فإنّ معظم الأسماء الكبيرة والمعروفة في الحياة السياسية الجزائرية، والتي كان لها الدور المفصلي في إنشاء حزب "التجمع الوطني الديموقراطي" إثر الانفتاح على التعددية الحزبية في ثمانينات القرن الماضي، قد اختفت من المشهد السياسي، إما بسبب إيداعها السجن بسبب تورطها في الفساد المالي مثلما حصل، مثلاً، مع الأمين العام لهذا الحزب والوزير الأول السابق أحمد أويحيى، أو جراء تغيّر طبيعة الظروف التي أعقبت الحراك الشعبي، وانحسار القيادات السابقة المركزية والقاعدية مثل عز الدين ميهوبي، ونوارة جعفر وغيرهما من العناصر القيادية الأخرى لهذا الحزب.
 
إنّ السؤال الذي يطرحه مراقبون سياسيون راهناً هو: هل ستستجيب السلطات لدعوة حزب "التجمع الوطني الديموقراطي" لتغيير قانون الأحزاب ثم إفساح المجال للأحزاب كي تلعب دورها في الحياة السياسية في ظلّ ما يُدعى في أدبيات الحكم الحالي بـ"الجزائر الجديدة"؟
 
في هذا الخصوص يرى محلّلون سياسيون جزائريون أنّ القضية لا تتمثل في مجرد تغيير قانون الأحزاب كما تعتقد القيادة المركزية لحزب "التجمع الوطني الديموقراطي"، وإنما تتمثل في إعادة النظر جذرياً في بنية النظام السياسي الجزائري بكامله، بما في ذلك تغيير وضع فسيفساء الأحزاب، وذلك من أجل توضيح أدوار كل طرف من هذه الأطراف في تصور وتنفيذ العملية السياسية وإدارة الحكم في البلاد.
 
يبدو أنّ حزب "التجمع الوطني الديموقراطي" لا يريد أن يعترف أنّ خيار الموالاة الذي ما فتئ يلتزم به عقيدة وممارسة، هو الذي جعله لا يميَّز حتى الآن بين تفريخ الأحزاب في صورة التعددية الحزبية الشكلية التي ينحصر دورها في إعادة إنتاج خطابات السلطة، وبين التعددية السياسية التي تعني تعددية مشاريع الأحزاب والالتزام بخيار الدفاع عن مصالح المواطنين، ونقد ممارسات أجهزة نظام الحكم والنضال من أجل فرض حق المشاركة الفاعلة في بناء أركان الدولة، بدلاً من التبعية المطلقة لتلك الأجهزة التي تتميز بالبطء في حلّ المشكلات الأساسية التي تعرقل التنمية الوطنية.
 
وفي الواقع، فإنّ حزب "التجمع الوطني الديموقراطي" لم يطرح على نفسه السؤال المحوري حول الأزمة الناشئة عن أحادية النظام شبه الرئاسي الذي تعمل به الجزائر، والذي يعطي معظم الصلاحيات لرئيس الجمهورية الذي يقوم بمعية مجلس أمن الدولة الذي يرئسه شخصياً، بتعيين الوزير الأول، والوزراء، والولاة (المحافظين)، والسفراء، وكبار المسؤولين على رأس كل المؤسسات الكبرى وفي مقدّمتها المؤسسات القضائية والاقتصادية والصناعية والادارية على المستويين المركزي والولائي في الجزائر العميقة عبر محافظات البلاد وبلدياتها.
 
في هذا السياق بالضبط يمكن فهم لماذا لم تقل أحزاب المعارضة رأيها في دعوة حزب "التجمع الوطني الديموقراطي" إلى تغيير قانون الأحزاب، لأنّها تدرك أنّ هذا الحزب هو جزء من المشكلة ويُستبعد أن يكون مفتاح الحل.
 
يُلاحظ أيضاً أنّ المعارضة الجزائرية نفسها قد أصبحت مبعثرة وشبه غائبة في المشهد السياسي الوطني، كما أنّها غير موحّدة الموقف ولا تملك برنامجاً سياسياً مشتركاً يرقى لأن يكون مشروعاً تحديثياً تسترشد ببوصلته التنمية الوطنية.
 
ينبغي التوضيح هنا أنّ حزب "التجمع الوطني الديموقراطي" يدرك أنّ السلطات الجزائرية هي التي تحرك خيوط اللعبة السياسية في البلاد، وأنّ موقفها من التعددية الحزبية بشكل عام قد تغيّر بعد وصول الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى سدّة الحكم، سواء تجاه أحزاب الموالاة أو أحزاب المعارضة، حيث أصبحت أحزاب الموالاة تُعامل كمجرد ديكور خارجي. ويرجع السبب في ذلك، بحسب تحليلات مراقبين سياسيين جزائريين، إلى كون الرئاسة الجزائرية ترى أنّ أحزاب الموالاة وأحزاب المعارضة معاً لا تملك المبادرة الفكرية أو المشاريع التي بموجبها يمكن لها أن تساهم في ترشيد التنمية بكل أنواعها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية وغيرها، وفي تقديم التصورات والآليات القادرة على ابتكار الحلول الناجعة للمشكلات الآنية المستعصية على الأقل وفي مقدّمتها عدم تناسب دخل مختلف الشرائح الاجتماعية مع تفاقم غلاء المعيشة والإيجار بشكل خاص.
 
وفي الحقيقة، فإنّ أحزاب الموالاة الجزائرية بمختلف مشاربها، ليس لها "خلايا تفكير" منظّمة وفاعلة وذات صلات بالعمق الشعبي وبشرائح المثقفين الاستراتيجيين، وليس على رأسها النخب المفكرة التي يفترض أنّها هي التي تضع الخطوط العريضة لسياسات ومشاريع النظام الحاكم الذي تعتبر نفسها واجهة له.
 
ويُلاحظ أنّ حزب "التجمع الوطني الديموقراطي" وحزب "جبهة التحرير الوطني" اللذين يُعتبران أكبر أحزاب الموالاة، قد فقدا في السنوات الأخيرة معظم الشخصيات الوطنية الكاريزمية التي كانت تتمتع بالنفوذ المادي طوال مرحلة الاستقلال بالرمزية، نتيجة ماضيها الثوري ومشاركتها في حركة التحرر الوطني. وفضلاً عن ذلك، فإنّ هذين الحزبين قد فشلا حقاً في إقناع الأجيال الجديدة بالانخراط في العمل السياسي، وفي استقطاب الطاقات والعناصر المثقفة النقدية والقادرة على تنوير القاعدة الشعبية، وهو الأمر الذي جعلهما مجرد هياكل فارغة يغلب عليها العمل الدعائي الروتيني في مواسم الانتخابات التي تحرّك خيوطها عملياً وزارة الداخلية والجماعات المحلية.
 

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة