29-11-2023 | 05:25

الأمطار تتصدّر الأحداث في تونس

بعد انتظار طويل نزلت الأمطار في تونس. ونزولها أو انحباسها قضية وطنية في البلاد. وهي أكبر شواغل الناس تنقبض الوجوه لما تغيب و تنفرج الأسارير عندما تهطل.
الأمطار تتصدّر الأحداث في تونس
Smaller Bigger
بعد انتظار طويل نزلت الأمطار في تونس. ونزولها أو انحباسها قضية وطنية في البلاد. وهي أكبر شواغل الناس، تنقبض الوجوه لما تغيب وتنفرج الأسارير عندما تهطل.

عندما يشتد الجفاف يتوجه الناس بالتضرع لله عبر صلوات الاستسقاء في الجوامع. والبعض في الأرياف يعود إلى ممارسة طقوس تقليدية لاستدرار الأمطار تعود للعهود الفينيقية.

نزول المطر تصدر نشرات الأخبار وعاد الأمل في إنقاذ الموسم الفلاحي أو البعض منه.
لكن الجدل عاد أيضاً حول السياسات المائية للبلاد والاستراتيجيات التي ينبغي اتباعها لدرء آثار الجفاف الذي تواجهه البلاد لخمس سنوات متتالية.

وفي الأثناء أضحى الوضع المائي في تونس صعباً جداً. وحالياً لا يصل مخزون السدود إلى 30 في المئة من طاقتها. وقد كان شهر أيلول (سبتمبر) الماضي الأكثر جفافاً منذ نحو 50 عاماً، بعدما كانت أمطاره خلال سنوات مضت فاتحة خير للموسم الزراعي.

وراء الأزمة المائية هناك عوامل شتى، من بينها خصوصاً ظاهرة الانحباس الحراري التي سوف ينكبّ العالم على مناقشتها بداية من هذا الأسبوع ضمن قمة المناخ التي تحتضنها دولة الإمارات. ومن انعكاسات هذه الظاهرة أن درجات الحرارة ما انفكّت تسجل ارتفاعاً في تونس كما في غيرها من البلدان منذ سنين، ومن المتوقع أن يتواصل ذلك لعقود قادمة.

نتيجة الجفاف اضطرت تونس منذ السنة الماضية إلى بدء توزيع الماء طبقاً لنظام الحصص، بما جعل الماء ينقطع في معظم البيوت ساعات الليل.

ولكن تقسيط الاستهلاك المنزلي للماء ورفع تعريفته - كما تم لاحقاً - لن يحلا المشكلة إلا جزئياً. فنحو 15 في المئة من الموارد المائية فقط تذهب إلى الشرب وبقية الأغراض المنزلية. أما نحو 80 في المئة من هذه الموارد فتذهب للاستعمالات الزراعية، وهنا يكمن جانب كبير من المشكلة.

يقول بعض الخبراء إن الممارسات السائدة في مجال الزراعة فاقمت الفقر المائي، إذ يتواصل بالخصوص الاعتماد على الزراعات المروية، سواء ذات القيمة التجارية المضافة أم التي توفر منتجات فلاحية ذات قابلية للتصدير إلى الخارج، وذلك بغض النظر عن درجة استهلاكها للموارد المائية الشحيحة.

بحسب الباحث التونسي محمد رامي عبد المولى، تضاعفت المساحات المخصصة للزراعات المروية في تونس عشر مرات خلال الخمسين عاماً الماضية، فيما لم يتضاعف عدد السكان سوى مرة ونصف.

ويرى البعض من ناشطي المجتمع المدني المهتمين بالزراعة أنه لا بد من وضع خريطة جديدة للإنتاج الزراعي تأخذ في الاعتبار أولويات البلاد، وبخاصة ضرورة تأمين الاكتفاء الذاتي الغذائي وكذلك الحاجة إلى تكييف الإنتاج باعتبار خصوصيات التربة في مختلف المناطق ونسبة استهلاك الزراعات للموارد المائية.

يشتكي هؤلاء الناشطون من أن تصدير بعض المنتجات الزراعية من البقول والفواكه والأزهار التي تحتاج للكثير من الماء هو في الواقع تصدير للمياه التي تحتاجها البلاد لتلبية حاجاتها الذاتية الضرورية، وعلى رأسها الحبوب.

عانت تونس خلال السنوات الأخيرة عجزاً متواصلاً في إنتاج الحبوب التي بلغت محاصيلها السنة الماضية 2,7 مليون قنطار مقابل 7,5 ملايين قنطار سنة 2021 و15 مليون قنطار سنة 2020، فيما تحتاج تونس إلى نحو 34 مليون قنطار لاستهلاكها الداخلي.

في بلاد يعتمد أهلها على مشتقات الحبوب في غذائهم أكثر من أي شيء آخر، لا يمكن أن يمر مثل هذا العجز عن تأمين الاكتفاء الذاتي من هذه المادة مرور الكرام.

فبالنسبة إلى المواطن التونسي، يعني عدم توافر الخبز وبقية مشتقات الحبوب وضعاً لا يطاق. وبالنسبة إلى الدولة يعني ذلك استيراد معظم الحاجات من الخارج في وقت ارتفعت فيه أسعار المواد الفلاحية، وبخاصة منتجات الحبوب نتيجة حرب أوكرانيا، وتواجه فيه البلاد ضائقة مالية تجعلها تحرص على توفير مدخراتها من العملة الصعبة.

وقد كان شح المياه واضطراب توزيعها، بالإضافة إلى تدهور جودتها في بعض المناطق من البلاد، مصدراً للاحتجاج والتذمر بما جعل المرصد التونسي للمياه (منظمة غير حكومية) يصدر ما أسماه "خريطة العطش".

ومسألة الماء مؤهلة كي تكون مصدراً للتوترات في المجتمع. وبحسب مؤسسة "غالوب" لاستطلاعات الرأي، تبلغ نسبة عدم رضا التونسيين عن جودة المياه 19 في المئة، وهي نسبة تصل إلى 7 في المئة جنوب البلاد. وتقول المؤسسة إن هذه من أعلى النسب التي رصدتها في العالم.

ويبدو من خلال استطلاع غالوب أيضاً أن حالة عدم الرضا لا تتعلق فقط بالماء بل هي تشمل مجمل السياسات البيئية للبلاد بالنسبة لنحو 85 في المئة من الرأي العام. ومن الواضح أن هؤلاء ينظرون إلى مشكلة الموارد المائية على أنها جزء من الوضع البيئي في البلاد وما يتضمنه من مظاهر التلوث والتصحر وانجراف التربة.

لكن هذه الأرقام تدل أيضاً إلى وعي متزايد في تونس بمشكلات البيئة، قد يشكل عاملاً مساعداً على معالجة هذه المشكلات.

أما الجانب الثاني الذي يعمّق الأزمة المائية فيتعلق بتبديد جانب كبير من الموارد المائية نتيجة تآكل تجهيزات الري وتوزيع المياه التي يعود معظمها إلى عقود خلت وعدم صيانتها. وبحسب تقرير لوزارة الزراعة، تضيع نسبة تتراوح بين 30 و40 في المئة من الموارد المائية لهذا السبب وحده. ويتسبب اهتراء البنية التحتية في أعطاب متتالية تزيد في توتير العلاقة بين الشركة الحكومية المعنية بتوزيع المياه والمواطنين.

وتحتاج شبكة الري وتوزيع المياه إلى أعمال تجديد وصيانة عاجلة. ولكن الموارد المالية المتوافرة للدولة تضاهي في شحها شح المياه، ما يعيق البحث عن البدائل والحلول.
فتحلية مياه البحر، مثلاً، وإن بدت للبعض عصا سحرية، فهي مكلفة جداً إضافة إلى انعكاساتها السلبية على البيئة البحرية الهشة.

والاستغناء عن الزراعات التصديرية والأنشطة الفلاحية ذات نسبة الاستهلاك العالي للماء، في نطاق توجه زراعي مختلف عما هي الحال اليوم، ليس خياراً سهل التطبيق من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، وما زال يحتاج للدراسة والنقاش.

من الواضح أن التحديات القائمة أمام تونس اليوم نتيجة شح المياه كثيرة ومتعددة. ليس هناك حلول سهلة، ولكنّ هناك أولويتين أمام البلاد لا تستطيع تجاهلهما: السعي نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي ومراجعة السياسات الزراعية بما يواكب شح المياه ومختلف التغيرات المناخية.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية