وأخيراً سيكون هناك شريط سينمائي طويل عن سيرة القائد القرطاجني الكبير هانيبال برقة (أو حنبعل كما يسميه التونسيون).
هناك الكثير من الأحداث المثيرة في حياة هانيبال التي يمكن أن تؤثث شريطاً سينمائياً ملحمياً، وبخاصة حملاته العسكرية التي أصبحت تدرس في الجامعات كنماذج لنبوغه في فنون القتال.
سيضم المشروع الجديد الذي أعلنت شركة "نتفليكس" الأميركية البدء في إنجازه العام القادم، باقة من نجوم هوليوود من بينهم بالخصوص النجم السينمائي الأميركي دنزل واشنطن الذي سيلعب دور البطولة في عمل يشرف عليه المنتج والمخرج أنطوان فوكوا.
سيسلط الفيلم بالتالي الضوء على الاستراتيجيات العسكرية لهانيبال بعدما تولى قيادة الجيوش القرطاجنية في سن السادسة والعشرين وقاد معاركه الضارية ضد الرومان في قلب أوروبا خلال الحرب البونيقية الثانية. مسيرة أسطورية انطلق خلالها هانيبال من قاعدته في قرطاجنة الإسبانية نحو إيطاليا على رأس جيش يضم عشرات الآلاف من المقاتلين القرطاجنيين والمرتزقة من شمال أفريقيا وأوروبا. ثم عبر بعد ذلك هو وفيلته وجياده فرنسا وأنهارها وتحدى الثلوج وجبال البيرينيه وغارات القبائل المعادية كي يتجاوز بعدها جبال الألب ويزحف نحو إيطاليا غازياً ويلحق هزائم فادحة بالرومان قضى فيها على عشرات الآلاف من جنودهم. مسيرة بطولية كان خلالها هانيبال يشارك جنوده أكلهم وينام مثلهم على الأرض وقت المعارك. ولكنه اضطر في نهاية المطاف إلى وقف حملته بعدما شحّت الإمدادات وأنهكت الخسائر جيوشه. وعاد إلى قرطاج بعدما كان قد وصل على بعد 5 كيلومترات فقط من روما وإن كان لم يدخلها.
أكيد أن الشريط سيحدّثنا أيضاً عن الجوانب الإنسانية المغمورة للقائد العسكري القرطاجني الذي كان يتكلم اليونانية واللاتينية بطلاقة، واستطاع أن يؤلف بين عديد الجنسيات من حوله. وسيحدثنا أيضاً بلا شك عن الأميرة الإسبانية التي أحبها وتزوجها، وصولاً إلى تجرعه السم في تركيا قبل أن يلقي أعداؤه القبض عليه.
ينتظر الجميع ليرى كيف يتعامل أصحاب هذا المشروع السينمائي مع تحدي الدقة التاريخية في سردهم حوادث تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، بخاصة أن سيرة هانيبال تأثرت كثيراً بروايات المؤرخين الرومان والإغريق الذين جانبوا الموضوعية في كثير من الحالات.
ومعروف أن الرومان القدامى بالذات كانوا يخشون قرطاج المنافسة لهم في المتوسط وهذا مفهوم. ومعظم مؤرخيهم قدموا صورة مخيفة عن هانيبال كشخصية دموية وعدوانية. وعلى الصعيد الشعبي كان هانيبال شخصية يخيف بها أرباب الأسر أبناءهم المشاغبين.
بلغ الأمر بالرومان حد صهر القطع النقدية التي كانت تحمل صورة هانيبال. وبعد نحو أربعين عاماً من وفاته (في 183 قبل الميلاد) دمروا قرطاج انتقاماً من تحديها لهم.
أما في العصر الحديث فقد جاءت معظم الكتب عن هانيبال، وهي كثيرة، بأقلام غربية. وبقيت المراجع التونسية قليلة نسبياً كما غابت تماماً الأفلام التونسية عنه.
أثار الشريط الجدل من حوله حتى قبل أن يرى الضوء، ليس حول جوانبه التاريخية، ولكن بخصوص اختيار الممثل الأميركي ذي البشرة السوداء دنزل واشنطن للعب دور هانيبال.
البعض في تونس وخارجها أعربوا عن احترازهم على اختيار ممثل أسود البشرة لتجسيد شخصية هانيبال الشمال أفريقي والفينيقي الأصل.
آخرون اعترضوا على اختيار دنزل واشنطن البالغ من العمر 68 عاماً ليلعب دور القائد العسكري الذي لم يكن بعد بلغ الثلاثين عند اندلاع الحرب البونيقية الثانية.
من شبه الأكيد أن هانيبال لم يكن أسودَ وأنه كان عند وفاته أصغر سناً من الممثل الأميركي الذي سيجسد شخصيته.
ولكن هذه الاحترازات، بحسب رأيي، يجب ألا تحجب اعتبارات أخرى أكثر أهمية، خاصة بالنسبة إلى تونس.
أولها: أن إنتاج هذا الشريط وتوزيعه بواسطة شبكة عالمية متعددة اللغات والأسواق مثل "نتفليكس" من شأنهما أن يحققا دعاية كبيرة لتونس، إذ يقارب عدد المشتركين في خدمة "نتفليكس" التلفزيونية في مختلف أنحاء العالم 250 مليوناً. والعدد الفعلي لمشاهدي أفلام "نتفليكس" وبرامجها أكبر بكثير من ذلك، باعتبار أن العديد من المتفرجين في نتاجاتها يستعملون اشتراكات أقاربهم وأصدقائهم للمشاهدة.
وما يمكن أن تحققه تونس من دعاية من وراء هذا الفيلم مهم جداً. ولكن ذلك سيحتاج إلى جهد على صعيد الترويج السياحي والدبلوماسية الثقافية لتوثيق العلاقة في أذهان الجمهور الواسع بين قرطاج القديمة وتونس اليوم. وهذه العلاقة ليست في الوقت الحالي بديهية.
والملاحظ أن مجرد الإعلان عن مشروع الفيلم سلط الضوء بقوة في الصحافة الدولية على شخصية هانيبال وتاريخ قرطاج. ولكن الإشارات إلى تونس كانت إلى حد الآن خجولة.
ثانياً: سيكون نجاح الشريط مرتبطاً رغم كل شيء بشهرة دنزل واشنطن، كأحد أكبر النجوم السينمائيين في العالم اليوم، وما يمكن أن يضفيه حضوره من وهج إعلامي على الشريط. وذلك بطبيعة الحال سينعكس على القيمة المضافة التي يرجو التونسيون جنيها من الفيلم.
ثالثاً: يتعلق الأمر في نهاية المطاف بعمل فني تختلط فيه الوقائع التاريخية بخيال منتجيه. واختيار طاقم التمثيل يبقى من مشمولات المنتج الذي يراعي في ذلك عديد الاعتبارات، من بينها ضمان النجاح التجاري والفني للمشروع.
ولا سبيل لتقييد أي عمل فني باعتبارات أخرى مسقطة حتى وإن كان ذلك بدافع الانتصار لدقة المعلومة التاريخية أو الدفاع عن صورة رمز حضاري بحجم هانيبال.
ومن له قراءة مختلفة لمرحلة ما تهمه من التاريخ القديم أو الحديث فله أن يمول وينتج مشاريع سينمائية بديلة حولها. وذلك قانون اللعبة.
رابعاً: لا فائدة ترجى من الإلحاح على ضرورة تطابق الملامح العرقية للممثلين مع لون بشرة الشخصيات التاريخية، فذلك طلب غير واقعي ومن شأنه أن يزج بالنقاش في متاهات غير محسوبة ويصدم حساسيات لدى شعوب ومجموعات بشرية نحتاج إلى توثيق الصلات معها وليس إلى إشعارها بأننا ننزعج من اقترابها منا ومن تاريخنا أكثر من اللزوم.
لم يبلغ الجدل حول مشروع الشريط في تونس إلى حد الآن المستوى الذي بلغه في مصر النقاش بخصوص المسلسل الوثائقي حول "الملكة كليوبترا" الذي بثته شبكة "نتفليكس" في أيار (مايو) الماضي، وعهد فيه بدور البطولة إلى الممثلة البريطانية السوداء أديل جيمس.
واعتبر مسؤولو قطاع التراث وعديد الشخصيات الأخرى في مصر آنذاك اختيار ممثلة سوداء البشرة لذلك الدور "تزويراً للتاريخ" و"طمساً للهوية الفرعونية"، باعتبار أن كليوباترا كانت مقدونية الأصل ولم تكن لها ملامح أفريقية. وبعض النقاد رأوا في اختيارها نزوعاً نحو "المركزية الأفريقية". كما سيرى آخرون الشيء نفسه في اختيار دنزل واشنطن.
التونسيون والمصريون أفارقة ولا ينبغي أن يعتبروا مبادرات الأفارقة أو ذوي الأصول الأفريقية لتجسيد حقب بارزة من تاريخهم ومن التاريخ البشري تهديداً لهويتهم وإرثهم الحضاري، بل يداً ممدودة لا يملكون ترف صدها.
وما يسمى بـ"المركزية الأفريقية" هو أساساً محاولة من الأميركيين السود لرد الاعتبار لأقليتهم والتعبير عن افتخارهم بأصولهم الأفريقية. وهذه أهداف تصب في اتجاه ما تصبو إليه كل شعوب الجنوب في العالم من إنصاف في علاقتها بدول الشمال.
وإن كان هناك حيف في الصورة التي يقدمها الغرب عنا كتونسيين وعرب، فإن ذلك يعود إلى حد كبير إلى تقصيرنا في الإنتاج الفكري والفني. فالتاريخ تكتبه الشعوب ذات الإنتاج الغزير، وجل هؤلاء كانوا ولا يزالون مع الأسف في الغرب.
صحيح أن تاريخ قرطاج بقي مبنياً إلى حد كبير على سرديات ومراجع رومانية متحيزة. وهناك اليوم عديد الأصوات في تونس تقول إن هذا التاريخ يحتاج إلى مراجعات تعطي قرطاج حقها. ونحتاج فعلاً إلى مثل هذه المراجعات، كما نحتاج إلى إنتاج أفلام حول إرثنا الحضاري وشخصياتنا التاريخية. وتلك هي مسؤوليتنا. فلم ولن يمنعنا دنزل واشنطن أو شركة "نتفليكس" من ذلك.
ما قد يعيقنا هو التقاعس أو العجز عن إنجاز أعمال مماثلة والميل غير المجدي نحو الاعتراض على سعي الآخرين إلى الخلق والإبداع.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض