17-11-2023 | 06:00

فلسطين... تبدّل الرّاوي

ما يحدث منذ الثامن من تشرين الاول (أكتوبر) في غزة والضفة الغربية والقدس ليس "نكبة جديدة"
فلسطين... تبدّل الرّاوي
Smaller Bigger
دخل العالم في الأسابيع الستة الماضية إلى ورشة تأهيل مكثفة حول تاريخ الصراع الصهيوني الفلسطيني، نوع من القراءة تحت النار لمراحل الصراع ومحطاته، أعيدت قراءة نص وعد وزير الخارجية البريطاني بلفور في عام 1917، ودوافعه، وجرى تقليب الشعار الذي اتكأت عليه الحركة الصهيونية المتنفذة في أروقة الاستعمار الغربي، والممولة في أحيان كثيرة لحركة الاستعمار وإعادة تقسيم العالم بين القوى المنتصرة بعد الحرب العالمية الأولى، المقصود شعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، كان هذا سابقاً على المحرقة بعقدين، وبدا، على سذاجته، مؤثراً وعملياً ويتمتع بشيء من البلاغة اللغوية، تسمح بترديده بسهولة، رغم أنه بالبساطة نفسها يحمل فكرة الإبادة، لقد رددت أوروبا لعقود طويلة شعار الإبادة هذا، بينما نخبها السياسية تدفعه في وعي الشارع، الشعار الذي كان أقرب إلى شرك تورطت فيه أجيال من الأوروبيين من دون تبصر، وكحقيقة مطلقة صادف أنها قادرة على إنهاء معاناة اليهود واضطهادهم الطويل، وتعزز بقوة عندما ارتبط بعقدة الذنب بعد المحرقة، بحيث اختفى الشق الأول وواصلت فكرة إيواء اليهود وحمايتهم والتعويض عن مأساتهم سعيها في الوعي الشعبي الغربي.  
 
ما يحدث الآن هو مراجعة ساخنة لذلك الوعي، وقراءة ذاتية لحقائق الصراع التي انبنت على إخفاء الشعب الفلسطيني وتعويم فلسطين بعد دفعها نحو الميثولوجيا خارج العالم المعاصر. حين اختفت تماماً بين النكبة/ 1948 وهزيمة أنظمة الطوق/ 1967، لم تكن في الخرائط السياسية أو الهيئات الأممية أو المؤسسات الدولية، عقدان كاملان من الإقصاء المسكوت عنه، بعدما جرى تجميعها في قضية لاجئين وإيداعها كمسؤولية إنسانية تكفلت بها منظمة ممولة أممياً تخصصت في إغاثتهم تحت اسم "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين"، وتحولت "النكبة" في الوعي الغربي إلى "حادث" جرى قبل سبعة عقود ونصف.
 
ما يحدث منذ الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) في غزة والضفة الغربية والقدس ليس "نكبة جديدة" كما أشار أفي ديختر، وزير الزراعة في حكومة نتنياهو، خلال لقاء مع القناة الإسرائيلية 12 في الأسبوع الماضي وبعد أكثر من شهر على 7 تشرين الأول والهجوم الإسرائيلي الدموي المتواصل على غزة. كان الحديث بين مذيع القناة عميت سيغال ووزير الأمن السابق والزراعة حالياً، حول تهجير أهالي شمال غزة نحو الجنوب الحوار الذي تلخص في عبارة ديختر المختصرة في وصف ما يحدث في غزة في ما يشبه تهديداً: "نعم، نكبة غزة 2023". ورغم أن ديختر تلقى توبيخاً من نتنياهو نفسه، بسبب الضجة التي أثارها وزير زراعته في وقت غير ملائم، إلا أن الاستخدام لمصطلح "النكبة" واصل انتشاره في تصريحات مسؤولين إسرائيليين ونشطاء على منصات التواصل الاجتماعي، مثل اقتراح وزير المالية الفاشي سموتريتش لتهجير الفلسطينيين "طوعياً" خارج المنطقة كحل وحيد للأزمة، أو اقتراح وزير فاشي آخر بإلقاء قنبلة نووية على غزة، وقد جرت استعارته، مصطلح النكبة الجديدة، من قبل بعض المؤثرين الفلسطينيين والداعمين لهم، مع بعض التعديلات ولكن من دون تمعن وفي سياق الإبادة الجارية في القطاع.
 
الأمر أن ما يحدث في شوارع العالم، الغربي على وجه الخصوص، هو استعادة  لـ"النكبة" على ضوء "الإبادة" نفسها، استحضار حي استدعته الأدوات نفسها التي استخدمت في عام 1948؛ التهجير الجماعي والإبادة وشيطنة الفلسطينيين، سيكون من الصعب الحديث عن "أرض بلا شعب" إذا تذكرنا أن الكثافة السكانية في غزة هي من الأعلى في العالم، وسيكون من الصعب تكرار النكبة ومجرياتها القائمة على القتل والتهجير، ثمة اختلاف جوهري هنا هو أن الفلسطينيين يستثمرون النكبة ليس كمصير ولكن كخبرة أولاً، وثانياً تبدل الراوي نفسه،
الفلسطينيون هم الذين يتحدثون الآن، يمكن سماع صوتهم بوضوح في شوارع العالم، ما يحدث الآن هو تراجع المحيط الرسمي العربي الذي احتكر الحديث باسمهم في 1948، وأفسد روايتهم لعقود طويلة، انحسر حضوره في قاعة الجامعة العربية وروتينها، وخمول موظفيها وبطالتهم المقنعة، واللغة الخشبية لبياناتها.
  تبدل الراوي منح الرواية قوتها الكامنة التي نشهدها الآن، وأضاء على إخلاص شخوصها.
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية