14-11-2023 | 12:12

عن غزة الملتهبة وورطة إيران و"محور المقاومة" (2 من 2)

في العالم العربي، من الصعب الحديث عن فلسطين وإسرائيل والصراع بينهما بهدوء وعقلانية، إذ شَكَّلَ خليطٌ متنافر، عميق وصعب، من المشاعر والحماسة، طريقة الفهم الشعبية والإعلامية، وجزء كبير من النخبوية، لهذا الصراع ودلالاته وكيفية إدارته.
عن غزة الملتهبة وورطة إيران و"محور المقاومة" (2 من 2)
Smaller Bigger

في العالم العربي، من الصعب الحديث عن فلسطين وإسرائيل والصراع بينهما بهدوء وعقلانية، إذ شَكَّلَ خليطٌ متنافر، عميق وصعب، من المشاعر والحماسة، طريقة الفهم الشعبية والإعلامية، وجزء كبير من النخبوية، لهذا الصراع ودلالاته وكيفية إدارته. تمحورت طريقة الفهم هذه حول صراع ثنوي ودائم بين الخير والشر تغذي استمرارَه مؤامراتُ الآخرين، الغربيين عادةً، ضد الجانبين العربي والفلسطيني. لم تقد طريقة التفكير هذه إلى إنتاج الحلول المعقولة والمنطقية للصراع وإنما استثمرت في استمراره المفتوح حتى تحقيق النصر، من دون توضيح، ولو شبه دقيق، لمعنى هذا النصر وكيفية تحقيقه والمدى الزمني لهذا التحقيق، ومقدار الخسائر والتضحيات التي ينبغي تجشمها وصولاً إليه.

استند "محور المقاومة" الذي تقوده إيران على هذا النوع من الفهم الذي يترك الحدود بين الأشياء ومعانيها وكيفية تحقيقها سائبة ومفتوحة على إعادة تفسير دائمة تمنح القائمين على هذا الفهم، كالمحور نفسه، صلاحية سياسية وايديولوجية متجددة في عالم عربي / إسلامي توَّاق بشدة لإيقاع هزيمة ما، حاسمة وواضحة، بإسرائيل التي برعت بهزيمة العرب على امتداد عقود المواجهة الطويلة. في هذه الأيام حيث المواجهة العسكرية بين "حماس" وإسرائيل، بما تعنيه من "فرصة" مواجهة جديدة، يزدهر هذا الفهم شعبياً وإعلامياً وحتى نخبوياً، ويتصاعد التوق "الحارق" فيه لنصر لا تعريف واضح له، خصوصاً على خلفية الوحشية الإسرائيلية في القصف الجوي الذي لا يبالي بموت أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين مقابل النجاح بتصفية بعض مسلحي "حماس".

قد تكون هذه الأيام هي الأقرب بين أماني الجمهور غير المُعرَّفة أصلاً بخصوص الرد على إسرائيل أو هزيمتها وبالتالي استعادة حسّ عام بالكرامة المهدورة تأريخياً، والدور المُعلن لـ"محور المقاومة" بوصفه تحالفَ المجاميع المسلحة، ما دون الدولة، المستعد لإلحاق مثل هذه الهزيمة وتعويض فشل الدول العربية باسترداد هذه الكرامة. في سياق تقارب الأمنيات والأدوار هذا، حد التماهي في لحظات الحماسة العالية والغضب الهائل ضد إسرائيل والغرب الداعم لها، تختفي التحفظات التقليدية العربية الشعبية والسياسية، المعروفة والصحيحة، بخصوص تقويض محور المقاومة لسيادة الدول العربية التي ينشط فيها، واندراجه السهل في مهمة الدفاع عن المصالح الإيرانية على حساب المصالح الوطنية لهذه الدول.

يبحث عموم الجمهور، في هذه الأيام المكتظة بالغضب والتمنيات، عن أبطال استثنائيين ومضحّين يهزمون إسرائيل القوية و"المتعجرفة"، فالبطولة الناجحة بإزاء الأخيرة "المنتصرة" على نحو يكاد يكون دائماً، تذيب الفوارق المذهبية والوطنية وتلغي آثام الهويات والأفعال والأشخاص وتُوحِّد الجميع في لحظة تطهر وطني / قومي / ديني تؤكد تشابهنا الجماعي بسبب فلسطين وعبرها ومن أجلها. هكذا صِيغت فلسطين في الثقافة العامة السياسية والأخلاقية العربية: نقطة تعريف أساسية ومحورية تُعرِّف ما سواها، لكنها نفسها غير قابلة لإعادة التعريف أو التشكل على نحو جديد أو مختلف. فلسطين هي الثابت وما عداها متحول. هذا باختصار ما عناه الشعار المأثور عن "مركزية" القضية الفلسطينية. تتجدد هذه المركزية، مؤقتاً على الأغلب، في غضون هذه المواجهة، بعدما تراجعت على مدى العقود القليلة الماضية.

من هنا يأتي استثمار "محور المقاومة"، بمعظمه غير الفلسطيني وحتى غير العربي، في فلسطين وتحريرها، حتى بغموض معنى هذا التحرير، بفلسطين وتحقيق نصر مفترض ضد إسرائيل. أعطى هذا الاستثمار إيران مهمة أخلاقية وتبريراً سياسياً للوجود والعمل ونفوذاً إقليمياً آخذاً بالانتشار. لكن مع بدء المواجهة العسكرية بين الجيش الإسرائيلي و"حماس" في غزة، وظهور قوة التحذيرات الأميركية -المدعومة بردع عسكري كاف - لإيران ومحور المقاومة - تراجعت سيناريوهات البطولة الاستثنائية والاستعداد التضحوي الذي طبع خطاب أطراف المحور لصالح براغماتية ساعية لأن يبقى لإيران موقع في صفقة ما مقبلة وتجنب معركة كسر عظم خاسرة.

بسبب هذا، تُزاوج الجمهورية الإسلامية في وقت العسر هذا بين خطاب "مقاوم" حذر في تصعيده المحسوب الذي لا يتجاوز الخطوط الحمر، وجهود دبلوماسية وراء الكواليس تحفظ المصالح المُهَدَّدة عبر إيجاد مخرج سياسي يحافظ على "محور المقاومة" ويقدم في الوقت نفسه "تنازلاً" كبيراً لإسرائيل وأميركا. تدرك إيران جيداً أن هاتين الأخيرتين في موقع تفوق عسكري وجيوسياسي وتتصرفان، في ضوء معنى عملية السابع من أكتوبر، على أساس إرادة حسم، معلنة صارمة ونادرة. هيأت الإثنتان، بدعم أوروبي قوي، شروطَ هذا الحسم: ضمان بقاء "حماس" وحيدةً، من دون دعم يقلب الموازين من "محور المقاومة"، بمواجهة آلة عسكرية إسرائيلية متطورة وغاضبة، مدعومة بحماية سياسية وعسكرية أميركية أولاً، وأوروبية ثانياً، لها وللحكومة التي تديرها: يمين إسرائيلي مجروح عميقاً ومأخوذ بحسّ انتقام لا يستطيع أن يطلق العنان له كما يشاء.

في ظل شحة الخيارات الإيرانية، يلوح، على الأكثر، في أفق التَّخيل السياسي الإيراني مشهدُ بيروت في 1982، الأقرب لما يحصل في غزة الآن: منظمة التحرير الفلسطينية محاصرة، من دون دعم عربي مادي، في بيروت الغربية يطوقها الجيش الإسرائيلي المتأهب لاقتحامها وإلحاق هزيمة عسكرية حاسمة بقوات المنظمة قد تعني تدمير المدينة أيضاً. حينها استطاع فيليب حبيب، المبعوث الرئاسي الأميركي للرئيس رونالد ريغان، صياغة خطة سريعة نالت موافقة لبنانية وفلسطينية وسورية على مضض بمغادرة قوات منظمة التحرير إلى عدة بلدان عربية، وذهاب قيادتها إلى تونس، مقابل عدم اقتحام القوات الإسرائيلية بيروت. أضعفت هذه الخطة تأثير منظمة التحرير إذ أبعدتها عن مسرح الأحداث المباشر - فلسطين وجوارها الجغرافي العربي الذي اعتادت المنظمة التحرك في بعضه بحرية.

تستفيد إيران من تكرار هذا السيناريو، بعد أكثر من 40 عاماً، في غزة 2023: إبعاد "حماس" من مسرح الحدث في فلسطين، لكن الحفاظ عليها من تدمير إسرائيلي وشيك. على الأغلب، سترحب أميركا وإسرائيل بمثل هذا السيناريو الذي يجنبهما عبء مواجهة دموية وإنسانية صعبة في غزة، يكون "النصر" العسكري فيها مؤكداً لكن بتكلفة عالية سياسية وبشرية. لكن يبقى السؤال الحاسم بخصوص نجاح مثل هذه الصفقة المحتملة هو الثمن الذي ستحصل عليه إيران بالمقابل، وإذا كانت أميركا وإسرائيل مستعدتين لدفع هذا الثمن الذي على الأكثر سيتضمن بقاء دور ما، غَير مُهدِّد، لمحور المقاومة وبعض النفوذ الإقليمي، الذي يمكن التعايش معه، للجمهورية الإسلامية.
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.