05-11-2023 | 05:25

هي كل هذا... وستطول

أفكار "ما بعد الحرب" التي تشتري الوقت، تحوم مثل سرب من الغربان في الدخان الذي يغطي غزة، بينما عدّاد القتلى يواصل قفزاته و"بنك الأهداف" يصل إلى غرف العمليات واسطوانات الأوكسجين في المستشفيات المتبقية
هي كل هذا... وستطول
Smaller Bigger
أفكار "ما بعد الحرب" التي تشتري الوقت، تحوم مثل سرب من الغربان في الدخان الذي يغطي غزة، بينما عدّاد القتلى يواصل قفزاته و"بنك الأهداف" يصل إلى غرف العمليات واسطوانات الأوكسجين في المستشفيات المتبقية، ويصرخ نتنياهو وغانتس وغالانت وكورس الفاشيون في الحكومة الإسرائيلية، وضيوف غرف الأخبار في الفضائيات خلف طائرات سلاح الجو: "سننتصر"، ومن باب الاختلاف والخبرة ومعرفة مزاج الرجل الأبيض وشغف الدول الاستعمارية يمنح بنيامين نتنياهو توضيحاً استشراقياً للمجزرة يكاد يكون لازمة مُتفق حولها: "...حرب الحضارة على البربرية".
 
في البحث عن "تحويلة" تغيّر اتجاه قاطرة الاحتجاج والفزع التي تعبر مدن العالم، يستخدمون في إسرائيل كل المخزون تقريباً، يعلّق مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة، جلعاد اردان، شارة صفراء مع عبارة "لن يتكرّر"، في إشارة إلى اليهودي الضعيف الذي قتلته الآلة النازية، ويتحدث نتنياهو عن حرب وجودية تستهدف "الشعب اليهودي"، ويواصل غالانت الصراخ "ليسوا بشراً إنّهم وحوش بشرية"، ويسلّح ايتمار بن غفير المستوطنين بالبنادق الطويلة التي وصلت للتو من مخازن الجيش الأميركي، ويستولي سموتريتش على أموال الضرائب الفلسطينية... وفي الخلفية تصيح الجوقة بكامل أصواتها "هي حرب وجودنا، نحن أو هم"...
 
ما يحدث هو أنّ "الدولة" التي هبطت في وسط المنطقة قبل 75 سنة من هذه المحرقة، أُصيبت بالجنون، وهي عوارض كانت واضحة لديها منذ إنشائها. لقد تفاقمت العوارض وتحوّلت إلى سعار حقيقي، ولا يبدو أنّها معنية بشيء سوى القتل ومواصلة القتل. في الأولويات يتصدّر هدف "استعادة الهيبة" الجدول، كان اسمه قبل السابع من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي "ترميم تآكل قوة الردع"، الآن الأمر تجاوز الردع الذي تحصّنت إسرائيل خلفه، استراتيجية الخوف الذي أطلقته في الإقليم تفكّكت تماماً، جدران القلعة سقطت، وها هي تظهر مكشوفة وضيّقة ومحاطة بالكراهية وذكريات الدم ويمكن هزيمتها، ولذلك ستفعل كل شيء، وستستخدم كل ما خزّنته من أدوات القتل وستواصل ذلك.
 
في البيت الأبيض يحاولون البحث عن هدف يمكن عبره توظيف الهستيريا التي تقود إسرائيل، يعرفون جيداً أنّ الحملة التي انطلقت لا تملك خطة، وأنّ الخطّة الوحيدة هي الانتقام، وأنّ الاستمرار في ذلك من دون صناعة "أفق" أو "وهم" يمكن بناء ائتلاف حوله، سيذهب إلى تفجير المنطقة وخسارة أشياء كثيرة، لعلّ أهمها النظام الذي تشكّل في الإقليم على بقايا دول المركز وحواضره المحطّمة، اليأس والجوع والخراب، وتحوّل هذا "النظام" الى انفجار موجّه نحو الحضور الأميركي المهتز في المنطقة، انفجار يصعب السيطرة عليه والتحكّم في نتائجه.
 
لم تنجح نصائح جو بايدن وعواطف أنتوني بلينكن، ولم يصغ أحد إلى مناشدات توماس فريدمان "لا تذهبوا الى غزة"، أو نصائح جنرالات متقاعدين "اقتلوهم من الجو".
 
هذا ما يفسّر البلالين الحرارية التي تطلقها دبلوماسية بلينكن خلف أسراب سلاح الجو الإسرائيلي التي تسحق غزة، محاولة نقل الجدل المتدفق في العالم والولايات المتحدة والحزب الديموقراطي والمجتمع اليهودي الأميركي وأوساط وزارة الخارجية نفسها، من خانة الحديث عن الدعم المطلق وحجم المجازر وحقول القتل المفتوحة على طول الشريط الساحلي الضيّق، إلى "حوار سياسي" فوضوي حول نظام الحكم في غزة ومن سيحكم القطاع بعد إنجاز المهمّة، وستذهب صحيفة "يديعوت أحرونوت" في هذا البازار إلى أنّ الحديث يجري حول تكرار سيناريو بيروت 1982، بينما يقترح البعض نشر قوات دولية أو قوات متعددة الجنسية ودول ضامنة في ما يشبه استعادة لفكرة "الانتداب".
 
سيناريوات مبتذلة في ترفها السياسي وفي توقيتها وقراءتها للمنطقة، تحاول الدبلوماسية الأميركية ووزيرها الذي يبدو كمن حصل على شقة مفروشة في تل أبيب ومقعد ثابت في "مجلس الحرب"، عبر تسويقها تعويم الدم والقفز عن الجثث وتوفير الوقت لسكاكين القاتل، في عملية تبادل الأدوار مع الاحتلال، والتناوب على دفع العربة وعرض حمولاتها، من حكاية "الرؤوس المقطوعة" في مستوطنات الغلاف، إلى المطالبة بفتح ممرات نحو سيناء لهجرة المدنيين وبناء مدن خيام لهم هناك بعيداً من الحرب، ثم "التشكيك بأرقام القتلى" من هؤلاء الناس، مروراً بأحجية المعبر وعدد الشاحنات وحمولتها إلى إنقاذ "الرهائن"، والآن تدخل فكرة ما الذي سنفعله عندما ينتهي الأمر، "ما الذي سنفعله بهذه المقبرة المترامية وكيف ستجري إدارتها؟"، و "ما الذي سنفعله في هذا الخراب؟".
 
ملفات تتراكم في حقيبة وزير الخارجية أنتوني بلينكن الذي يفردها بدوره على طاولات البحث مع الأنظمة العربية المحيطة المرتبكة، ودائماً نسخة إضافية لـ"المقاطعة" في رام لله تحت تصنيف "للاطلاع".
 
هذه مواجهة تجاوزت منذ يومها الثاني فكرة أنّها حرب "حماس"، وعلى نحو قيامي تحولت خلال ساعات لتكون حرب الفلسطينيين، في جوهرها كانت خليطاً من النكبة وذكريات المذابح والتهجير وتفكيك فلسطين، والثورة المعاصرة في الستينات من القرن الماضي، ومعركة الكرامة وحصار بيروت ومذابح صبرا وشاتيلا...
 
هي كل هذا ولذلك ستطول.
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية