يلتقط الفلسطينيون عبارات قصيرة متروكة في هواء الفضائيات، جمل يستدعيها القلق والخوف والصدمة لأشخاص يمرون أمام الكاميرات، لأشخاص خرجوا للتو من تحت الركام وعادوا إلى الزمن، كمن يتحدث مع نفسه يواصلون الدوران في فقاعة من الدخان والغبار تضيق كل ساعة.
أسئلة معلقة تقودها عاميتها غير المكترثة بالكاميرا أو الأفكار المعدة أو نزعة إحداث الأثر، عبارات ممزقة ولكنها تفي بأغراضها كاملة، كما لو أن الرواية تختار أبطالها، يصبح الأمر بريداً طائشاً يتجول في الغبار والدخان الذي تتركه قذائف الطائرات والبيوت المحطمة ولكنه يصل على نحو ما وبطريقته الخاصة، إشارات مقروءة مثل أخبار موجزة، شرح عميق وكثيف يحدث بعد الخبر، أعمق كثيراً من المعلومة، أو هو ما آل اليه الخبر بعدما وصل إلى منطقة الشعر.
تتجمع الجمل القصيرة المبتورة لتتحول إلى سردية متصلة، سردية ترفع أبطالها وتمنحهم تلك القوة التي تمنح الموت ملامح بشرية والأشخاص أعمارا وأسماء.
هكذا وصل "يوسف" الذي وصفته أمه بعامية فصيحة للأطباء والممرضين والصحافيين، والباحثين عن ملجأ أكثر أمناً من البيت والفضوليين في ممر المستشفى:
-"عمره سبع سنين وشعرو كيرلي أبيضاني وحلو".
اللهجة البسيطة هي التي استطاعت أن تأتي بيوسف بحمولات اسمه ودلالاته.
لا يمكن وصف يوسف إلا بهذه العبارة المقطعة المتتابعة التي تبدأ من الزمن الذي عاشه، سبع سنوات، وتختتم بحلاوته، أي خلل أو انزياح في اللهجة أو نقلها إلى الفصحى المتكلفة، أي حذف أو محاولة تحرير أو إضافة إلى الأجزاء الخمسة التي أطلقتها الأم سيخفي إشارات الطريق المؤدية إليه، وسيجعل منه طفلاً آخر، محمد أو علي أو عيسى..، ولكن يوسف هو بالضبط كما وصفته أمه:
-"عمره سبع سنين وشعرو كيرلي أبيضاني وحلو".
الطفلة التي كانت تركض خلف حمالة الموتى في المشفى وهي تؤكد للمتطوعين ورجال الدفاع المدني أن الجسد الميت المغطى على الحمالة، حيث ينحسر الغطاء عن خصلة شعر، هو أمها:
- "إمي أنا بعرفها من شعرها".
معرفة حاسمة لا تتوه، تراكمت عبر عمرها وذكرياتها التي ما زالت تدور في غرف البيت حتى بعد زواله وتحوله إلى مدفن، معرفة ضرورية للحصول على اسم يُكتب على الكفن الأبيض.
العبارة التي تمتم بها وائل الدحدوح مراسل قناة الجزيرة وهو يتحسس جسد ابنه:
"بينتقموا منا بالولاد.. معليش" هي الشرح العميق لكل تقاريره الوافية التي تميز بها دائماً، وفي هذه المجزرة على وجه الخصوص، يعرف وائل أنه مستهدف، مثل 24 صحافياً جرى اغتيالهم في غزة، إضافة إلى اللبناني عصام عبد الله الذي اغتالته إسرائيل في علما الشعب في جنوب لبنان الأسبوع الماضي.
هذا ما تفعله إسرائيل دائماً، قتل الناس، منذ أن كان جيشها مجموعة من العصابات وحتى جمعه في جيش، واصل الاحتفاظ بروح العصابة الممتلئة بفكرة "قتل الناس".
يستعيد الفلسطينيون في هذه "الحرب" ذاكرتهم، وينقونها مما علق بها في العقود الثمانية التي أعقبت النكبة، يستعيدون قتلاهم وعتبات بيوتهم ويعيدون قراءة غسان كنفاني ومحمود درويش وإدوارد سعيد ورسومات ناجي العلي .. ولكنهم يستعيدون أعداءهم أيضاً ويبصرون بوضوح الدم على أيديهم، ويرون ما وراء الأقنعة التي تهالكت تماماً.
ومثل يد شريفة مدمّاة تنزع غزة الأقنعة عن وجوه الجميع.
ويضيفون كل شيء إلى سرديتهم الجديدة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض