حرب السّاعات السّت... حكمة الحرب وقسوتها
لن يكون من السهل الحديث عن الحرب التي تدور الآن في فلسطين بأدوات قديمة، المهارات التي راكمها محللون وخبراء وسياسيون ومثقفون ومفكرون لم تعد صالحة، القاموس المستخدم لعقود بانزياحاته الخفيفة، الجغرافيا التي تحكمت بهذا القاموس والأدوار التي جرى تسكينها من دون تغيير لم تعد ملائمة. الإطار الذي بدا محكما وغير قابل للتحريك بحيث يجعل كل شيء مكشوفا ومتداولا وتحت المراقبة لم يعد كذلك.
لن يكون من السهل الحديث عن الحرب التي تدور الآن في فلسطين بأدوات قديمة، المهارات التي راكمها محللون وخبراء وسياسيون ومثقفون ومفكرون لم تعد صالحة، القاموس المستخدم لعقود بانزياحاته الخفيفة، الجغرافيا التي تحكمت بهذا القاموس والأدوار التي جرى تسكينها من دون تغيير لم تعد ملائمة. الإطار الذي بدا محكماً وغير قابل للتحريك، بحيث يجعل كل شيء مكشوفاً ومتداولاً وتحت المراقبة لم يعد كذلك.
التغيير كان يحدث دائماً داخل الإطار بينما الإطار راسخ مثل مصير منجز، بين أضلاع الإطار يمكن السماح بتغيرات محدودة ومتفق حولها، مثل هزات ارتدادية لزلزال لم يحدث قبل أن تعود الأمور إلى ثباتها.
ثبات الإطار ترك أثره القوي على ثبات المشهد وعلى الأدوات، وبدا أن ذلك يناسب الجميع ويمنحهم أدواراً محفوظة ومساحات مدروسة في لعبة متفق عليها. لعبة تمنح الغرب الحق بضخ تمويلات "تنموية" للفلسطينيين تسمح لهم بالبقاء على حافة كل شيء، في تداول بين الحياة والموت، وتمنحهم "سلطة" لا تحكم، وحلولاً لا تحدث، و"مقاومة" لا تحرر. مثل ديكور متكامل لزمن خارج الزمن وجغرافيا افتراضية قابلة للطي.
هذا سيسمح بتقديم أوروبا كاقتراح ثقافي ونظام ديموقراطي ومجتمع ليبرالي، ويسمح للولايات المتحدة صاحبة مشروع "إسرائيل" وراعيته، بأن تكون وسيطاً في الصراع بين فلسطين المحتلة وإسرائيل المستعمرة.
الآن يصبح كل هذا قابلاً للطي.
لقد تفكك الإطار.
في السادسة والنصف من صبيحة السابع من تشرين الأول (أكتوبر) تحطم السياج الأمني الأكثر تطوراً في العالم، وسقطت المواقع العسكرية الـ21 الأكثر تحصيناً التي شكلت الخط الأمني الإسرائيلي المحيط بقطاع غزة.
تحطم الجدار واندفعت عشرات سيارات الدفع الرباعي البيضاء والدراجات النارية والمشاة من عشرات الثغرات في السياج وتساقطت الأبراج التي بدت لعقود مثل أعين شريرة تتحكم بحياة قطاع غزة ومصائر أهله، ستتجاوز الموجة الغريبة من العربات والدراجات والمقاتلين المشاة، نحو مستوطنات غلاف غزة، قبل أن يندفع آلاف اللاجئين الفلسطينيين خلف المقاتلين وهم يركضون على أثر دواليب الدراجات على أرض شهدت رحيل آبائهم قبل 75 سنة، في مشهد قيامي لن ينساه الفلسطينيون وسيتذكرونه مثل حلم هبط إلى الواقع في غفلة عن كل شيء؛ الزمن والسياسة والجغرافيا والأساطير التي تراكمت في وعي الناس والمكان.
لا أحد يمكنه معرفة إلى أين ستمضي عربة الحرب، ولكن الجميع يستطيعون رؤية غبارها ومتابعة العجلات التي تتركها في فضاء الإقليم.
ثمة ما لم يعد ممكناً ترميمه بالنسبة إلى هزيمة الجيش الإسرائيلي، وما لا يمكن رفعه أو استعادته لنظريات نتنياهو السياسية في المنطقة، وما بدا أنه نظام إقليمي يعاد بناؤه على أنقاض الحواضر العربية الكبرى التي جرى تحطيمها؛ بيروت وبغداد ودمشق، يتكشف عن نظام عشوائي يترامى من صنعاء إلى غزة، يصعب ترويضه أو قراءة أفكاره، وما بدا لعقود إمبراطورية قوة حاكمة اسمها إسرائيل، ينحسر عن جغرافية ضيقة ودولة مرتبكة وجنرالات يبحثون عن أوسمتهم بين جثث الأطفال.
حكمة هذه الحرب وقسوتها أنها أخرجت الجميع إلى الشارع من دون أقنعة، بوجوه مكشوفة يقف الجميع في مواجهة بعضهم بعضاً، من دون بلاغة اللغة أو آداب الجلوس، الفاشية الصهيونية ونفاق دول الاستعمار الغربي وهزالة النظام الرسمي العربي.....
هذه حرب واضحة بلا أقنعة وصلت من زمن النكبة.
حرب انتهت بعد ست ساعات من اندلاعها وعلى الجميع أن يتعلموا الحياة مع الزمن الجديد الذي أحضرته معها، وستبقى صور الجنود الأسرى والميركافا المحترقة والثكنات المحطمة خلفية ثابتة لكل ما سيحدث لاحقاً، بينما المجزرة التي تتواصل اليوم في غزة وفي الضفة، المجزرة التي لم تتوقف منذ أكثر من سبعة عقود، هي تكثيف للذي كان يحدث دائماً.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض