16-09-2023 | 06:35

"إسرائيل"... تحطيم المقدسات

كان هناك متظاهرون يوم الثلثاء الماضي في 12 أيلول (سبتمبر) الجاري خارج القاعة التي اصطف فيها 15 قاضياً للمرّة الأولى منذ 1970 ويشكّلون كامل هيئة المحكمة العليا في اسرائيل.
"إسرائيل"... تحطيم المقدسات
Smaller Bigger
كان هناك متظاهرون يوم الثلثاء الماضي في 12 أيلول (سبتمبر) الجاري خارج القاعة التي اصطف فيها 15 قاضياً للمرّة الأولى منذ 1970 ويشكّلون كامل هيئة المحكمة العليا في اسرائيل. في المساء وليلاً، تولّى رجال الأمن حماية القضاة لتأمين حضورهم إلى المحكمة، بعد معلومات عن نوايا لإعاقة وصولهم من قِبل متطرّفين من اليمين، وعلى المدخل تضاعفت إجراءات التفتيش.
 
في الداخل يجلس رئيس لجنة الدستور في الكنيست الإسرائيلي، لا يوجد دستور في إسرائيل أو حدود للدولة، عضو حزب الصهيونية الدينية الفاشي، سيمحا روتمان، ومحامي الحكومة، ايلان بومباخ، ومقدّمو الالتماسات الثمانية من المجتمع المدني والمعارضة وحركة الاحتجاج في شارع كابلان، ستناقش المحكمة الالتماسات المقدّمة ضدّ قانون إلغاء المعقولية، الرافعة التي يتكئ عليها مشروع وزير العدل، ياريف ليفين، لتعديل القضاء، وتحديداً لنزع صلاحيات المحكمة العليا في محاسبة الحكومة والوزراء، والنظر في القوانين التي يقرّها الكنيست.
 
يعرف القضاة الـ 15 أنّ تمرير القانون يعني الموافقة على إنهاء دورهم ودور محكمتهم، في حماية مدوّنة الحقوق من تسلّط الحكومة "المنتخبة" والأغلبية في الكنيست. هكذا جرت الأمور منذ تأسيس الدولة وتعاقب الحكومات.
 
ويعلم القضاة أيضاً أنّ إلغاء القانون يعني أزمة دستورية وحرباً أهلية قانونية، ستكرّس الانقسام في المؤسسة والمجتمع الإسرائيليين، بين حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتكئة على أغلبية 64 صوتاً في الكنيست من أصل 120، والمحكمة العليا المتكئة على "وثيقة الاستقلال" وأكثر من سبعة عقود من التقاليد ومئات آلاف المحتجين الذين يواصلون احتجاجاتهم منذ 35 أسبوعاً على التوالي، وهو انقسام يكاد يكون مكتملاً في الشارع والحياة العامة، وانعكس بقوة على الجيش والاقتصاد، حيث يمتلك كل معسكر حججه وشعاراته ومرجعياته وقاموسه السياسي. ولكن قرار القضاة سيمنحه شرعية قانونية، ما يحرّك تهماً متداولة مثل "التمرّد" و"رفض تنفيذ الأوامر" و"العصيان"، ويمنحها مرجعية قانونية من جهة، أو تثبيت فكرة "التوازن بين السلطات" و"ديكتاتورية المحكمة العليا" التي يسوّق لها وزير العدل في حكومة نتنياهو ومعسكر اليمين والمستوطنين، وتهمة "الانقلاب" على الدولة من جهة ثانية.
 
في الداخل، يذهب الجدل بين القضاة وممثلي الحكومة بعيداً، ويبدو في أكثر من منطقة متطرّفاً وعبثياً تماماً.
يعرف المتجادلون أنّ الأمر أبعد من مجرد تجاوز "قانون أساس"، كما تصرّ حكومة نتنياهو، وأبعد من مجرد ردّ قانون يخدم أشخاصاً بعينهم ولا يتمتع بصفة "أساس" كما يحتج المعارضون. الجميع يعرف جيداً أنّ لا شيء سيعود كما كان، وأنّ الأشباح التي تغذّت عبر سبعة عقود في عتمة الصندوق تتجوّل في الشوارع الآن وتطلّ من الفضائيات وتجلس على مقاعد الكنيست. ببساطة أكثر، لقد انتخب الإسرائيليون أشباحهم، وهم يحاولون الآن من دون جدوى إعادتها إلى الخزانة، أو محاولة دمجها في ماكينة النظام.
 
في داخل القاعة تتحطّم مقدّسات كثيرة، ويتطاول محامي الحكومة على المحكمة والقضاة من دون التوقف عند الخطوط والثوابت. انكسرت الهالة التي أُحيطت بها المحكمة، وصار من المتداول توبيخ قضاتها والتقليل من شأن نزاهتهم وحكمتهم، "سيسرني أن تنهي خطابك"، يجيب أحد القضاة الـ 15.
 
"قضاة يختارون أنفسهم من دون بروتوكول في غرف مغلقة"، يصفهم وزير العدل وصاحب مشروع التعديل ريفين. "المداولات بحدّ ذاتها تجري في ظلّ انعدام صلاحيات مطلق ومسّ شديد بالديموقراطية ومكانة الكنيست ومسّ بحكم الشعب"، يضيف ريفين في مكان آخر.
"لا يحق لكم أن تناقشوا "قانون أساس"، وأن تصادروا حكم الشعب الذي انتخب البرلمان"، يقول رئيس لجنة الدستور والقانون في الكنيست روتمان، في تكرار متفق عليه في دفاع الحكومة.
من سيحاسبكم أنتم ويقرّ "معقولية" قراراتكم، هنا يذهب السؤال إلى فضاء العبث الذي يتناسل إلى ما لا نهاية.
 
حزب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقائد الائتلاف "الليكود"، لم ينتظر نهاية المداولات، أصدر بياناً يحذّر فيه المحكمة من مصادرة إرادة الشعب والمسّ بالديموقراطية.
رئيسة المحكمة استير حيوت تحاول التشبث بالحواف والعرف ومرجعية "وثيقة الاستقلال": "معيار المعقولية موجود منذ 40 سنة إن لم يكن منذ تأسيس الدولة".
 
الحملة تذهب مباشرة نحو فكرة تغيير النظام، ولن تستطيع "وثيقة الاستقلال" التي وقّعها 37 شخصاً بتسرّع ومن دون تفويض شعبي يفتقرون إلى الخبرة القانونية، بحسب تعبير بومباخ، لن تستطيع الوقوف أمام أغلبية مُنتخبة من الشعب مباشرة، القانون هو "الناخب". يتناوب محامو الحكومة ورئيس لجنة الدستور في الكنيست على تحطيم الصنم الأكثر قدسية، في استثمار متطرّف وانتقامي للمقاعد الأربعة التي منحت حكومة نتنياهو الأغلبية.
 
لقد انكسرت في سياق الجدل قداسة "وثيقة الاستقلال" نفسها وقداسة المؤسسين الـ37.
لن تنهار "الدولة" ولكنها ستذهب أبعد في انقسامها.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية