المغرب.. مساعي تهذيب الخطاب الدّيني ومواجهة التّعصب!
الموقع الجغرافي للمغرب، كدولة تطلُ على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.. قريبة من إسبانيا والبرتغال والعمق الأوروبي، وأيضاً جزء من إفريقيا ودولة مركزية في شمالها؛ تتعدد فيها الأعراق والثقافات واللغات، كل ذلك، دفع لأن تنهض بمسؤوليات عدة، ولذا تم إنشاء مؤسسات مثل "مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة"، و"معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات"، و"جامعة القرويين"، وجميعها تسعى لأن تقدم خطاباً دينياً يقوم على الاعتدال والبعد عن التعصب.
أشرتُ في المقالة السابقة "حوارات الرباط وإعلان مراكش"، إلى اللقاء الذي جمع وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب أحمد توفيق، ووفد "مؤسسة حلف الفضول الجديد" برئاسة الشيخ عبد الله بن بيه في العاصمة الرباط، في آب (أغسطس) الجاري.
هذا اللقاء قد ينظر إليه بعضهم بوصفه زيارة اعتيادية، إلا أن طياته تحمل أبعد من ذلك، كونه يأتي في سياق العمل المشترك بين المملكة المغربية والإمارات العربية المتحدة، في سبيل تهذيب الخطاب الديني، والبحث عن أفكار مؤثرة تجعل الفاعلين الدينيين أكثر قدرة على مواجهة الأفكار العنيفة، وتقديم الدين كقوة صانعة للسلام وقادرة على حماية البشر وحفظ حقوقهم.
لقاء توفيق وبن بيه، تطرق إلى "إعلان مراكش" الذي صدر عام 2016، وهو وثيقة مهمة دعت إلى "تأصيل مبدأ المواطنة الذي يستوعب مختلف الانتماءات"، مشددة في الوقت ذاته على أنه "لا يجوز توظيف الدين في تبرير أي نيل من حقوق الأقليات الدينية في البلدان الإسلامية"، وجاء هذا الإعلان بمثابة ترسيخ لقيمة "المواطنة التعاقدية"، وتجاوز النظرة الكلاسيكية الفقهية لدى البعض، التي تصنف الحقوق وفق الانتماء الديني أو المذهبي.
"إعلان مراكش" يتجاور مع نصوص أخرى تتكامل معه كـ"وثيقة حلف الفضول الجديد"، و"وثيقة مكة" التي "تضمنت الدعوة إلى التعايش بكامل الحقوق والواجبات، مع التشديد على كرامة الإنسان وحقه في الوجود بكامل حريته المشروعة"، كما "تؤكد أهمية احترام وجود التنوع"، وهو ما أكده الأمين العام لـ"رابطة العالم الإسلامي" د. محمد العيسى، في أكثر من مناسبة.
العيسى، بما يمارسه من عمل مكثف في مد الجسور مع مختلف الفاعلين من أجل السلمِ، كان هو الآخر حاضراً في العاصمة المغربية الرباط، في آب الجاري، حيث شارك في أعمال المؤتمر العلمي الدولي "تأطير الحريات وفق القِيم الإسلامية ومبادئ القانون الدولي"، وزار فرع "المتحف الدولي للسيرة النبوية"، والتقى رئيس "مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي" الشيخ عبد الله بن بيه في دارته.
بالعودة إلى شهر أيار (مايو) 2023، عُقدت ندوة علمية مشتركة مغربية – سعودية، تناولت موضوع "الجهود العلمية المعاصرة لمدافعة الغلو وتحقيق الوسطية"، شاركت فيها شخصيات من البلدين، وهو لقاء مفيد لتبادل الأفكار والخبرات.
هذا السرد للنشاطات أعلاه، والتي هي جزء من مشهد أكبر، يقود إلى الوقوف على أهمية المغرب كدولة رئيسة لها أدوار فاعلة في مجال العمل الديني، لما لديها من خزان تراثي علمي وفقهي وتاريخ، سواء في تدوين السيرة والمصنفات الشرعية والكلامية، أو الطرق الصوفية والزوايا، كما المعمار الإسلامي، وتمظهرات مختلفة تبرز كـ"عناصر قوة وجذب"، سواء في الموسيقى الروحية، أو الأشعار، أو الخيط الرابط بين أفريقيا وأوروبا، وما انتقل من الهجرات المتبادلة بين الضفتين، وخصوصاً ما توارث من علوم وفنون وعادات وأسلوب عيش!
الموقع الجغرافي للمغرب، كدولة تطل على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.. قريبة من إسبانيا والبرتغال والعمق الأوروبي، وأيضاً جزء من أفريقيا ودولة مركزية في شمالها؛ تتعدد فيها الأعراق والثقافات واللغات، كل ذلك، دفع لأن تنهض بمسؤوليات عدة، لذا تم إنشاء مؤسسات مثل "مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة"، و"معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات"، و"جامعة القرويين"، وجميعها تسعى لأن تقدم خطاباً دينياً يقوم على الاعتدال والبعد من التعصب.
عام 2003 شهد المغرب تفجيرات دامية في مدينة الدار البيضاء، وتم استهداف "مقهى أركانة" بتفجير إرهابي، وسط مراكش عام 2011؛ وهي حوادث سعت السلطات المغربية لعلاجها من خلال العمل الأمني وتعقب الخلايا التابعة للتنظيمات الأصولية، وأيضاً عبر مراجعة الخطابات الدينية العنيفة، ونقض أسسها الفقهية والثقافية، والعمل على إيجاد سردية إيمانية بعيدة من التطرف وقادرة على تلبية حاجات الفرد في العصر الحديث.
إن العمل على تطوير الأفكار المرتبطة بالدين، وأنسنتها، وتجاوز إرث الإقصاء في بعض المدونات الفقهية والعقدية، مهمة ليست باليسيرة، والجهود التي تبذلها دولٌ كالسعودية والإمارات والمغرب، من المهم أن تستمر، وأن تتعاون المؤسسات المعنية في هذه الدول في ما بينها، لما سيكون لها من تأثير إيجابي على قطاعات واسعة جداً من المواطنين.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض