08-08-2023 | 08:44

عن المثليّة والتّشابه والاختلاف: هل نحن بإزاء حرب ثقافيّة جديدة مع الغرب؟ (2 من 2)

في كل هذه الصراعات القانونية والجدالات الاجتماعية، لم يكن الشرق الأوسط حاضراً، ولا العالم العربي وقيمه الأخلاقية موضع نقاش أو انتباه. كان كل الأمر يتعلق بأميركيين وممارسة حقوقهم القانونية في بلادهم، الولايات المتحدة الأميركية.
عن المثليّة والتّشابه والاختلاف: هل نحن بإزاء حرب ثقافيّة جديدة مع الغرب؟ (2 من 2)
Smaller Bigger

في العلاقة بين الغرب والعالم العربي المسلم الكثير من سوء الفهم والغضب، خصوصاً على الجانب العربي. يرتبط بعض هذا جزئياً بالتاريخ الكولونيالي وتَركته السياسية والثقافية حين أعادت الدول الأوروبية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى ترتيبَ أوضاع المنطقة ووضعها تحت هيمنتها بعد تفكيك الدولة العثمانية التي حكمت المنطقة بضعة قرون.

لكن الجانب الآخر، وربما الأهم والأعمق، في سوء الفهم هذا سابق على الهيمنة الكولونيالية التي لم تستغرق طويلاً، باستثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر الذي استمر نحو قرن وثلث من الزمان. يتصل هذا الجانب بصدمة الحداثة التي يُعتبر مشهدُها الأهم الغزوَ الفرنسي لمصر في نهاية القرن الثامن عشر حين التقى العالم العربي لأول مرة بالتفوق التكنولوجي الأوروبي الساحق. قادت محاولات الاكتشاف العربية، المصرية في معظمها في ظل الدولة الخديوية التي شكلها محمد علي باشا، على امتداد القرن التاسع عشر، إلى خليط غير منتظم من أحاسيس الإعجاب والتحدي والقلق، خصوصاً لأن هذا التفوق، في جوانبه الأخرى السياسية والمعرفية والتنظيمية، أثار أسئلة الهوية مشرقياً والبحث عن أسباب التأخر العربي مقارنةً بالتقدم الأوروبي وكيفية تجاوز هذا التأخر. كانت الأجوبة على هذه الأسئلة المهمة والملحة مختلفة في العالم العربي. كان بعضها تنويرياً عبر الدعوة الى تبني التحديث الحقيقي والمستدام وتطوير البنى المحلية للسياسة والاقتصاد والقانون والمعرفة. لكن الجواب الأعلى صوتاً والأكثر هيمنةً والأطول استمراراً كان أخلاقي الطابع عبر الرد على التفوق الأوروبي المادي والمعرفي والتنظيمي، بتفوق أخلاقي عربي مفترض، بمعنى أننا نتفوق عليهم بالميدان الأهم وهو "الأخلاق"، فيما يتفوقون هم علينا بـ"المادة".

بعيداً عن الإشكالية الجوهرية في هذا الجواب بافتراضه أن العلاقة بين العرب والغرب لا بد أن تكون تنافسية وبالتالي تدور حول الصراع، فإنه ساهم بصناعة حسّ دائم بالاستهداف مشرقياً بسبب هيمنة النموذج الثقافي الغربي عالمياً، المرتبط بنيوياً بالتقدم التكنولوجي والاقتصادي والسياسي الغربي، وبالتالي تبرز دائماً الحاجة للرد على ما يظهر في الغرب مما يخالف المنظومة الثقافية العربية، بوصفه تهديداً "لنا" في منجزنا الأساسي الذي يُعرف هويتنا، "الأخلاق". يقود مثل هذا الصراع المتخيل والمنطق المتشكل عبره الى مواجهات "قيمية" مستمرة بسبب سوء فهم عميق، يُحوّل ما هو شأن محلي وداخلي يختص بمجتمع معيّن الى قضية عالمية وخارجية تخص الجميع في كل العالم!

هذا هو الإطار المناسب والصحيح لفهم ردود الفعل العربية على الاحتفاء الغربي مثلاً بـ"شهر الفخر" المتعلق بالمثليين في كل عام. لا يتضمن هذا الاحتفاء سعياً لتغيير الثقافة العربية أو إجبارها على تبني قضية المثليين، كما يُفهم على نحو واسع في العالم العربي. في الإطار الغربي، يقع هذا الاحتفاء ضمن السعي لحل مشكلة تعيشها بعض المجتمعات الغربية، بالأخص في الولايات المتحدة، تتعلق بتصاعد الجرائم ضد المثليين وأشكال مختلفة من التمييز ضدهم. ولأن هؤلاء مواطنون في بلدانهم، بما تعنيه المواطنة من حقوق أصيلة غير قابلة للأخذ أو الإلغاء - بعكس مفهوم المواطنة المهلهل عربياً - فإنهم تأريخياً استطاعوا تنظيم أنفسهم للمطالبة بحمايات الدولة لهم كمواطنين، فضلاً عن دعم آخرين لهم في إطار حقوقي وليس جنسياً، ليقود الأمر في آخر المطاف إلى تقديم الدولة الحمايات المنصوص عليها دستورياً لهم.

من أجل ترسيخ هذه الحمايات وتحويلها الى ثقافة اجتماعية عامة في هذه المجتمعات، تُنظم فعاليات كثيرة رسمية وغير رسمية بهذا الصدد، كما مثلاً في لقاء الرئيس الأميركي جو بايدن، في شهر حزيران (يونيو) الماضي بمجموعة من المثليين الأميركيين لإبراز أنهم جزء طبيعي من الشعب الأميركي ويحقّ لهم الافتخار بأنفسهم كما يفخر الأميركيون الآخرون بأنفسهم، ليقول جملته الشهيرة وقتها "أميركا هي أمة الفخر". في هذا كله، كان بايدن يساهم في الجهد العام لحل مشكلة محلية أميركية، بخصوص رفض أجزاء من المجتمع الأميركي للمثليين (لا تزال المثلية في أميركا موضوعاً خلافياً في المجتمع، بخلاف الحال في أوروبا الغربية). لكن في معظم العالم العربي، فُسر سلوك بايدن وتصريحه على نحو مختلف تماماً يتعلق بمحاولة أميركا الترويج للمثلية ونشرها عربياً وإسلامياً، بل تُرجمت جملته على نحو مزيف إلى العربية إذ نُسب له القول إن "أميركا أمّة مثلية"!

الأمر ذاته ينطبق على زواج المثليين الذي تحول من قضية محلية في الدول الغربية إلى ما يشبه المواجهة الأخلاقية والثقافية بين العالم العربي والغرب، إذ فُسر تشريع دول غربية لزواج المثليين على أنه سعي غربي تقوده الولايات المتحدة الأميركية لتغيير معنى الزواج كعلاقة رسمية بين رجل وامرأة، وبالتالي تقويض مفهوم الأسرة ونشر الفوضى الأخلاقية في العالم أجمع، بضمنه في المجتمعات العربية والإسلامية. حقيقة الأمر هي شيء مختلف تماماً مرتبط بالتواريخ الداخلية للمجتمعات الغربية والصراعات الاجتماعية والحقوقية فيها، وليس بالسعي لفرض نموذج عالمي أو كوني جديد للزواج والأسرة يخالف ما اعتادت عليه المجتمعات العربية والإسلامية على أساس تراثها الديني والثقافي. في الولايات المتحدة، زواج المثليين موضوع خلافي شديد اجتماعياً وسياسياً، قبل أن تحسمه المحكمة العليا في عام 2015.

يظهر الطابع الداخلي لموضوع زواج المثليين من التسمية القانونية التي أعطاها الكونغرس له بعد تشريعه القانون في نهاية عام 2022. اسم القانون هو "قانون المساواة في الزواج". تعكس هذه التسمية الاستراتيجية القانونية التي اتبعتها تأريخياً الجمعيات المناصرة لحقوق المثليين، إذ لا تقوم هذه الاستراتيجية على أسس اجتماعية وفكرية تدور حول نقاش المثلية كسلوك اجتماعي أو توجه جنسي وفهم دلالاته ونتائجه، وإنما على أسس قانونية ودستورية تتعلق بالمواطنة والمساواة في الحقوق المتأتية منها. بكلمات أخرى، قامت هذه الاستراتيجية على تأكيد الحقوق المتساوية للمواطنين، المنصوص عليها دستورياً، في ممارسة حياتهم الشخصية على النحو الذي يريدون ومنع التمييز ضدهم بسبب نوعية حياتهم هذه أو طبيعة شخصياتهم هم كأفراد. كانت هذه الاستراتيجية فعالة وحققت أخيراً لجمهور المثليين ما أرادوه. استفاد المثليون بهذا الصدد من تجارب حركات حقوق السود والنساء، إذ استخدمت هذه الحركات مفهومي المساواة والمواطنة في المطالبة بحقوقها ورفع التمييز ضدها.

في كل هذه الصراعات القانونية والجدالات الاجتماعية، لم يكن الشرق الأوسط حاضراً، ولا العالم العربي وقيمه الأخلاقية موضع نقاش أو انتباه. كان كل الأمر يتعلق بأميركيين وممارسة حقوقهم القانونية في بلادهم، الولايات المتحدة الأميركية. من دون أن نقبل في العالم العربي محلية التجارب الاجتماعية والثقافية الأميركية، ونتجاوز الإصرار غير المنطقي على أن العالم العربي مقصود بها بشكل أو آخر، فسنعيد إنتاج الكثير من الصراعات العقيمة التي تستهلك الطاقة والوقت والجهد من دون طائل. نحتاج إلى أن نتوقف عن التفكير في أن العالم مشغول بنا ويريد أن يبدل أخلاقنا وطباعنا الاجتماعية، لأنه باختصار غير مهتم بها، وفي الغالب لا يعرف عنها إلا أشياء قليلة وعابرة.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.