لم يكن الجمعة 21 تموز (يوليو) الجاري يوماً عادياً في عائلتنا، كنا على موعد خاص مع الفخر والفرح وقطف ثمار رحلة طويلة وشاقة من التعلم والصبر والتنقل بين أكثر من مدينة؛ حتى جاء المساء الذي اعتلت فيه جود فادي الزاير المنصة، بابتسامة مشعة كالشمس في رابعة النهار.
كانت مانشستر مليئة بالمحبات الباذخة، العائلة والأصدقاء كانوا حولها، وحتى أولئك الذين لم تسعفهم الطائرات، كانوا هنالك يتابعون الحفل عبر البث المباشر.
بالنسبة إلي، لم يكن حفل تخرج الغالية جود حدثاً عابراً، لأني اعتبرته بداية مشوار طويل لفتاة سعودية لديها حلم كبير، استطاعت بصبرها وذكائها أن تتجاوز مختلف الصعاب، وتحقق ذاتها، وتكون ما تريد، لا ما يريده الآخرون... لذا، حقٌّ لوطنها الذي وفّر لها منحة دراسية كريمة، أن يفخر بها، وأن يستمر في الاستثمار في هذه العقول والطاقات، التي هي رأسمال حقيقي لا ينضب.
جود، الفتاة الصغيرة التي لا أزال أتذكرها عندما أنجبتها أختي بيداء، كانت أولى أحفاد أبي وأمي، لذا، لها مكانتها الخاصة التي لا يدانيها أحد فيها.
تلك التي أرادت جدتها، أم أبيها، أن تسميها "غدير" وسماها أبواها جود، كانت غديراً حقيقياً من المحبة والرقة والجمال، والأهم، الذكاء والإيمان والصلابة والاستمرارية في العمل، وعدم الخوف من أن تكون وحدها، لتبني مستقبلاً تعيش فيه بسلام وصلاح.
عندما كانت جود على الخشب البريطاني العتيق، تسير وسط تاريخ مهيب لجامعة بلغت من العمر مئتي عام، زاخرة بالإنجازات العلمية والثقافية، عندما كانت ابنة أختي هنالك، كنت أرقب بدلتها البيضاء الأنيقة، وخطواتها كأميرة متوجة، وأبصر فيها ابنتي دانة وابني سعد، يسيران على الدرب ذاته من التفوق العلمي والمكانة الأكاديمية الرفيعة.
هذا ما أصنعه الآن، يومياً، أن أعطي دانة المتوثبة، وسعد الذكي، كل محبة وتعليم وثقة وترفيه ورياضة وغذاء صحي وجو أسري مستقر وحياة كريمة، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً؛ لأن النتائج تتبع المقدمات، وهذه المقدمات يجب أن تكون سليمة، غير عليلة، مبنية بشكل صحيح، لتصير المخرجات على أفضل حال، من دون أن يغفل المرء أن الحياة ليست معادلة حسابية ولا خطاً مستقيماً، إنما علينا جميعاً أن نبذل أفضل ما لدينا، وأن نؤمن بأبنائنا، إيماناً حقيقاً نابعاً من حكمة مشعة وقلب عاشق.
جود... أنت الآن يا ابنة أختي الغالية، درة تاج عائلتنا، ولك أن تفخري بما أنجزت، إلا أنها لحظة أيضاً للخشوع في حضرة الكون المهيب، والتواضع أمام العلم، وأن تبصري أن الأيام الآتية بقدر ما ستكون سخية معك، ستكون شحيحة أيضاً. إنك على موعد مع رحلة طويلة من المكابدات والفرح، النهوض والسقوط، الناس الأوفياء والخونة أيضاً، لذا، لتكن لديك عينا زرقاء اليمامة، وبصر من حديد، وبعد نظرٍ، وفراسة عالية، وعزيمة لا تلين، وصبر أيوب، ومحبة عيسى، وحكمة محمد، وإيمان زين العابدين!
المستقبل هو ما ستبنيه يداك، حتى لو عصفت بك الرياح العاتية، فحين تكون وجهتك صحيحة، وأناملك ثابتة، وقلبك لا يضطرب، ستصلين إلى وجهتك.
دائماً ما كنت أقول لأمك، إن علينا أن نربي الأبناء كي يصنعوا مجداً، مجدهم الخاص الذي تشرئب له الأعناق، وأن نخلق لهم سياقاً عائلياً يكونون فخورين به، فخراً نابعاً من العلم والكرم والشجاعة والأخلاق... وهذا السياق هالته الإيمان البصير والثابت، ومحبة الناس، وأن نكون عوناً دائماً لهم.
اليوم جود، وبعدها بقية الأحفاد؛ هم شموسنا العالية، ولنكن سماواتهم الزرقاء النقية!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض