يوم غدٍ السبت سيكون يوماً تاريخياً في لندن. تاريخي لأنّه سيشهد تتويجَ الملك تشالز الثالث ملكاً على إنكلترا، المملكة المتّحدة والكومنولث. هو حدثٌ نادرٌ لدرجة أنّ المرّة الأخيرة التي شهدت لندن مراسم تتويج كانت عام 1952 عندما توِّجَت والدة تشارلز الملكة إليزابيت الثّانية، الرّاحلة قبل تسعة أشهر. لعلّه من اللّافت أنّه تزامن مع كون الملكة الرّاحلة تربّعت على العرش لأطول فترة في تاريخ الملكيّة البريطانيّة، والتي بلغت سبعين عاماً. نجلها الأكبر تشارلز تبوّأ منصب وليّ العهد للمدّة نفسها، علماً أنّه استقرّ في منصبه كأمير ويلز لمدّة تفوق أربعة وستين عاماً. بهذا المعنى، فإنّه أيضاً كسرَ الرّقم القياسيّ في تبوُّء منصب ولاية العهد في ظلّ والدته الملكة إليزابيت الثانية.
ستكون مراسم التّتويج تاريخيّة. وإن كانت طقوسها أقلّ بذخاً من تلك التي حصلت عليها والدته، ولعلّ ذلك مرتبط بتغيّر العصر، وازدياد الأزمات الاقتصاديّة التي تعانيها المملكة المتّحدة منذ أعوام عدة. لكن تبقى المراسم علامة فارقة في وجدان البريطانيّين الذين لا تزال جميع استطلاعات الرّأي تشير إلى أنّ الملَكيّة تحظى بتأييد غالبيّة منهم متعلقة بها لأسباب عدّة. بعضها يمتّ بصلة إلى تاريخها الممتدِّ إلى ألف عام، ذلك مع أخذ تغيّر العائلات الملكيّة بالاعتبار.
أكثر من ذلك، لقد أدّى تطوّر نظام الحكم البريطاني الذي يقوم في الأساس على جملة من التقاليد والأعراف المتراكمة خلال حقبات تاريخيّة طويلة، حيث إنّه لا دستور مكتوب، ما جعل الملكيّة تلعب دوراً رئيساً في إشاعة الشّعور بالاستقرار لدى البريطانيّين. ولعلّ التطوّر المهمّ في نظام الحكم هو الذي حوّل الحكم الملكي المطلق إلى حكم ملكيّ مختلط، وصولاً إلى حكم ملكيّ دستوريّ أصبحت فيه صفة الرمزيّة المعنويّة غالبةً على السّلطة الملكيّة. قد يكون هذا هو سببَ تعلّق البريطانيّين بالملكيّة التي تمثّل بالنّسبة لهم رمز الوحدة، الاستقرار، والشّعور بالانتماء والتّربع فوق الخلافات والنزاعات السياسيّة. إنّها صنو علم "اليونيون جاك".
من هنا، لا يتعلّق الاهتمام الكبير بمراسم التتويج يوم غد بالطّقوس فحسب، بل يتعدّاه إلى حسّ الانتماء الذي تولِّده هذه العائلة الملكيّة، على الرّغم من كلّ الأزمات التي عصفت بها في العقود الثلاثة الماضية. ولعلّ الملك الجديد يعي حجم التحدّيات التي ستواجهه، حيث إنّه يرث ملكةً كبيرة، أحبّها البريطانيّون إلى حدّ بعيد، فتمتّعت حتّى وفاتها في شهر أيلول (سبتمبر) الماضي بشعبيّة واسعة، تجلّت يوم وفاتها وخلال الأيّام التي تلَت وشهدت مراسم جنازة ملكيّة رسميّة وشعبيّة عزَّ نظيرُها.
تحديات كبيرة تواجه الملك تشارلز الثّالث الذي يتوّج في مرحلة تمرّ بها المملكة المتّحدة بصعوبات كبيرة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والمالية والسياسيّة. فالرخاء الاقتصاديّ والمالي حلّت مكانه معدّلات تضخّم كبيرة، وأزمات اجتماعيّة وإضرابات لا تتوقّف. ذلك فضلاً عن أنّ الأزمات السياسيّة لم تتوقّف منذ قرار "البريكسيت" بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي.
يُعرف الملك الجديد بأنّه لا يملك هوامشَ واسعة لارتكاب أخطاء كالتي كانت تتمتّع بها والدته. كثيرون يشعرون أنّ عهد تشارلز الثالث سيكون انتقالياً بين عهد والدته الملكة إليزابيت وعهد ابنه أمير ويلز وليم الذي تتجه إليه الأنظار منذ اليوم، كونه يمثِّل مستقبل الملكيّة مع زوجته الأميرة كايت التي تحظى بشعبيّة كبيرة. وما من شكّ في أنّ بقاء تشارلز حوالي السّبعة عقود في غرفة الانتظار قبل أن يصبح ملكاً قد استهلك منه عمراً، فوصل إلى العرش وأمامه مساحة زمنيّة متواضعة مقارنه بالمساحة التي استفادت منها والدته. لكن ثمّة من يرى أنّ طول المدّة المشار إليها منحت تشارلز خبرة مسبقة كبيرة قد تجعل منه ملكاً ناجحاً، وربما كبيراً، ذلك إن أحسن التصرّف وأسعفته الظّروف في إبراز خبرته وإيجابيّاتها.
وفي هذا السّياق، سيتعيّن على الملك أن يجد حلاً للخلافات مع ابنه الأصغر هاري التي سمّمت مناخ العائلة مؤخراً، وقد تنجم عنها مضاعفات سلبيّة في المستقبل. لكن التحدي الأهم، برأينا، هو المحافظة على شعبيّة الملكيّة. وهنا تشير استطلاعات الرّأي إلى أنّ شعبيّته ارتفعت منذ أن أصبح ملكاً بعد وفاة والدته. لكن يبقى تحدّي المحافظة على وحدة المملكة المتحدة في ظلّ ارتفاع نسب تأييد الدّعوات الانفصاليّة في اسكوتلندا، واستمرار الوضع متأرجحاً في أيرلندا الشماليّة المنقسمة بين البروتستانت المؤيّدين للارتباط بالمملكة المتحدة، والكاثوليك المعارضين لها ضمناً أو جهاراً. أمّا الكومنولث فقد بدأنا نسمع دعوات من دول عدّة أعضاء، أهمّها أستراليا، تدعو إلى التخلّي عن الارتباط بالعائلة الملكيّة البريطانيّة، حيث يكون الملك رأس الدولة والتحوّل إلى جمهوريّات.
يبقى يقيننا أنّ الملك تشارلز سيحاول ما استطاع أن يحفظ الملك ليورث ابنه وليم التاج كما ورثه. والأيّام وحدها تكشف المستور.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض