04-05-2023 | 09:54

مملكة تشارلز الثالث ممالك... ورهاناته غير مضمونة!

حينما توجه الملك تشارلز الثالث مع زوجته كاميلا في أوائل نيسان (ابريل) الى كاتدرائية يورك الشهيرة لحضور نشاط خيري، كان في استقباله أنصار جاؤوا من أطراف البلاد لرؤيته عن كثب. وقريباً منهم، ارتفعت لافتات كتب عليها معارضوه "لست ملكنا"! ولعل حظ الزائر الكبير كان جيداً هذه المرة، إذ لم يحاول أحدهم أن يرميه بالبيض.
مملكة تشارلز الثالث ممالك... ورهاناته غير مضمونة!
Smaller Bigger
حينما توجه الملك تشارلز الثالث مع زوجته كاميلا في أوائل نيسان (أبريل) إلى كاتدرائية يورك الشهيرة لحضور نشاط خيري، كان في استقباله أنصار جاؤوا من أطراف البلاد لرؤيته عن كثب. وقريباً منهم، ارتفعت لافتات كتب عليها معارضوه "لست ملكنا"! ولعل حظ الزائر الكبير كان جيداً هذه المرة، إذ لم يحاول أحدهم أن يرميه بالبيض.
 
إثارة الجدال ليست جديدة بالنسبة إليه. لقد عرفها منذ تنصيبه ولياً للعهد في تموز (يوليو) 1969، حين زُجّ به وهو في العشرين من عمره في أتونها. انعكس عليه الموقف العام المتذبذب من العائلة المالكة. وكان لحياته الشخصية الشبيهة بحقل ألغام، أثرها أيضاً في إذكاء الخلاف حوله. والجدال الذي أثاره على الدوام هو أكثر ما يميزه عن والدته الملكة إليزابيث الثانية. 
 
بعض أفكاره، لا سيما حول البيئة والزراعة العضوية، جعلته يبدو أشبه بـ"مهرج"، وأطلق عليه البعض تسمية "المحارب البيئي"، للتندر. وبعد نحو 30 سنة، أدرك منتقدوه أنه قد سبق عصره بأشواط. وصارت آراؤه حول البيئة تحظى بآذان صاغية، حتى من دونالد ترامب في ذروة معارضته الصاخبة لتغير المناخ. 
 
وهو يمضي اليوم إلى التتويج وسط ضباب الجدال نفسه، بين ملكي متشدد بتأييده، وجمهوري لا يقل تشدداً بإصراره على إلغاء الملكية، ومتحفظ موقفه محايد حيالها. وإذا غيّر منتقدوه بشأن البيئة رأيهم جذرياً، من الصعب التكهن بقرب التوافق بين حاملي لافتات "لست ملكنا" المتزايدين وأنصاره. 
 
وقد يعمق التتويج الشرخ بين الجانبين. فالتساؤلات تُطرح سلفاً عن سبب إقامة احتفال كهذا تقدر تكلفته بأكثر من 100 مليون جنيه إسترليني (نحو 125 مليون دولار). فهو صار ملكاً رسمياً بعيد رحيل والدته العام الماضي. كما أن التتويج تقليد بالٍ، تجاوزته ممالك أوروبا واسكندنافيا منذ زمن طويل. 
 
ويستغرب بعضهم لماذا لا يدفع من جيبه تكاليف الاحتفال بوصفه مليارديراً تقدر ثروته الخاصة بنحو 1.8 مليار جنيه إسترليني (قرابة 2.25 مليار دولار)، لا سيما أن 64 في المئة من البريطانيين لا يهتمون بالتتويج؟ وفيما يشدّد مؤيدوه على أنه قريب من الناس، يردّ خصومه بأن التتويج يثبت العكس. ويجادلون بأن إجبار الخزينة العامة على تغطية هذه النفقات، فيما يتفشى الجوع بين البريطانيين، هو دليل إلى انفصال الملك عن الواقع ولامبالاته بمواطنيه.  
 
والحقيقة أن من الصعب الجزم بأنه ملياردير. فالقانون يمنع الكشف عن ثروته، كما يجري مع رؤساء آخرين. وما ورثه عن والدته مجهول لأن وصيتها يجب أن تظل طي الكتمان، خلافاً للأشخاص العاديين. كما أن أحداً لا يعرف مقتنياته الفنية النفيسة، أو مجموعة مجوهراته التي جاء أفضلها من الهند وبقية دول آسيا أيام الإمبراطورية، أو الخيول الأصيلة التي انتقلت ملكيتها له، ناهيك بحسابه المصرفي أو ما تدرّه عليه دوقية لانكستر. 
 
والانتقادات الموجهة للاحتفال تشمل دعوة كبير أساقفة الكنيسة الأنغليكانية الرسمية، الذي سيقود إجراءات التتويج البريطانيين أينما كانوا لتأدية قسم الولاء لتشارلز الثالث وورثته. فهذه البادرة غير المسبوقة المسماة "تكريم الشعب" لا لزوم لها في رأي المنتقدين، لأن الولاء يُقدم تلقائياً، وإلا كان مصطنعاً أو زائفاً. كما أن الدعوة تجرد الكثيرين من حقهم بالتزام الحياد إزاء الملكية. ويتساءل بعضهم: لماذا لا يكون القسم بالولاء للوطن بدلاً من شخص؟ 
 
وهناك ما يشبه الإجماع على الترحيب بالاعتراف خلال التتويج بتعددية الأديان في المجتمع البريطاني الحالي وتثمينها. مثلاً سيقرأ ريشي سوناك الهندوسي مقطعاً من الكتاب المقدس، مع أن الكنيسة الأنغليكانية تمنع ذلك على أتباع المذاهب الأخرى. وسيتقبّل تشارلز من ممثلين عن البريطانيين المسلمين السنة والشيعة، واليهود، والبوذيين الخ.. التحية والهدايا التي تقدم للملك عادة أثناء تنصيبه. وثمة بادرة جديدة، في هذا الاتجاه. فللمرة الأولى، سيتعهد كبير الأساقفة بأن "الكنيسة" ستعمل على "إنشاء بيئة يعيش فيها الناس من الأديان والمعتقدات كافة بحرية".
 
إلا أن البعض متحفظ على كون التعهد لا يصدر عن الملك نفسه الذي سيقول في قسمه الرسمي إنه سيبقى "بروتستانتياً مخلصاً" من دون أن يأتي على ذكر أي معتقد ثان. وسيسميه كبير الأساقفة "حامي الدين" (الأنغليكاني البروتستانتي). 
 
على الضفة الثانية من الجدال، يرحب الملكيون، بـ"تكريم الشعب"، معتبرين أنه محاولة لإشراك الجميع في التتويج. ويلفتون إلى أنه كان لأكثر من نصف قرن، ولي العهد لوالدته التي تربعت على العرش لأطول مدة في تاريخ بريطانيا. ولذلك فهو تعلم جيداً فن الحكم من أستاذة قديرة مشهود لها بالاجتهاد والذكاء والخبرة. 
 
ويشيرون إلى أنه قريب من الشعب ناجح على صعيد التعامل مع العالم. وفعلاً، يدل سجله إلى أنه وجه معروف ومؤثر في الخارج أكثر من معظم رؤساء الوزراء الذين تعاقبوا على قيادة البلاد. ويقول أنصاره إنه قادر على تحقيق الاستقرار السياسي للبلاد بحياديته التي لن يستطيع البريطانيون أن يحلموا بمثلها لو كان لهم رئيس من السياسيين. وهنا يعلق الخصوم: إذا كان كذلك فليحقّق الاستقرار ضمن عائلته الصغيرة أولاً، ويطفئ نيران الحرب المحتدمة بين ولديه هاري ووليام من جهة، وهاري وكاميلا التي ستتوج ملكة إلى جانبه، من جهة ثانية.
 
أحد التحديات التي تواجهه هو بلا شك إخماد البراكين التي يمكن أن يتفجر المزيد منها في بيته، فيما هاري يروي مأساة أمه، ويصبح أكثر جرأة في توجيه أصابع الاتهام حالياً إلى أخيه وليام والمؤسسة الملكية، وربما بعد حين إلى أبيه! 
 
وتنتظر الملك تحديات مختلفة، في طليعتها البريكست وتداعياته الخانقة على عهده. وهو عبّر عن رأيه في انسحاب بلاده من الاتحاد الأوروبي، وإن بشكل غير مباشر، حينما قرر القيام بأولى زياراته الخارجية لباريس. ولما اضطر إلى تغيير برنامجه توجه إلى برلين حيث تجنب ذكر البريكست. لكن سيكون من الصعب عليه أن يمدّ الجسور مع أوروبا، لأسباب شتى، منها جوقة السياسيين البريكستيين المتحفزة في كواليس السلطة للاحتجاج بصخب على أي مبادرة أوروبية له.
 
ويظل التحدي الأخطر أمامه، هو الحفاظ على مملكته موحدة، بينما تبتعد اسكتلندا وأيرلندا الشمالية تدريجياً عن لندن وتتبلور نزعات انفصالية في إنكلترا نفسها. وإذ يتزايد عدد الراغبين برميه بالبيض لا بالزهور، إلى أين يمضي تشارلز الثالث بمملكته؟ 
 
الأكيد أنه لن يسير على خطى سميّه تشارلز الأول الذي قادها إلى حرب أهلية انتهت بإعدامه في 1649. قد يستطيع البدء بالعمل على ترويض البراكين والأخذ بيد بلاده على طريق التصالح مع نفسها ومع أوروبا، إن ساعده حزب العمال حين يمسك بالسلطة العام المقبل. وهذا رهان غير مضمون، فالحزب متردد وخسارته لا يمكن استبعادها. 
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.