بعيد هو الأسمى في أيّامنا التي نعيشها ونتمنّى أن يُعاد علينا، بحضورها، بقُبلاتها، بحضنها، بضحكاتها، بعصبيّتها وقوّتها... طال الكلام عنك يا أمّي...
ما يمر بين الابن ووالدته يبقى محفوراً في عمق أعماق العقل والقلب. من يتذكّر والدته التي غابت بجسدها إلى مكان أكثر راحة وأماناً، لا ينسى هفواتها ونهفاتها ويستذكرها بالضحكة لا الدموع. ومن استغلّ وجودها في هذه الدنيا، فبالتأكيد يسجّل اللحظات ويوثّق الكلام ويحفظ الضحكات...
عن الأم "اللي بتلمّ"، مثل لبناني معروف، أعتقد أن أمّي صاحبة العيد قد استغلّته وحرّفته وصاغته بطريقتها و"على ذوقها"، على قاعدة "أنا إمّك مش إنت إمّي"...
المحطّات كثيرة والأوقات كثيرة بين الأم وطفلها، بالفعل عجيبة هذه الدنيا كيف تضع ولداً في حضن أمّ لا يعرفها فتصبح أهم إنسانة في حياته. بين الطفولة والمراهقة والشباب.
هذه البداية...
بين التساهل والقصاص "ملعقة خشب" تحوّل مسار التربية. لا عيب في الاعتراف، فهذه من أدوات "التربية الصالحة"، صحيح أنّها تختلف بطولها وسماكتها إلا أنها تلبّي وقت الحاجة. هذا أول شيء تتذكّره في طفولتك بعد صراخ الوالدة. "ناطرتك يا معتّر"...
الطفولة تبدأ عند هذا الحدث، يوم يرى الولد هذه الأداة بجانب كتبه وأقلامه وأغراضه. السؤال المطروح: ماذا كان يفسّر الولد هذه الظاهرة؟ بالفعل لم أطرح السؤال يوماً على نفسي، وبالطبع لم أطرحه على والدتي!
تكبر معك وتطوَل بطولك، و"نيّالو اللي بعيلة قصيرة"... تعدّدت وظائفها للأداة الخشبية: فقبل الظهر للطبخ وبعد الظهر، وبلطافة، لـ"تصحيح المسار"، فبين اللهو والنوم والكسل واللعب والدرس، تبقى هي المنبّه.
تعقيباً على الدرس، لا ترضى الأم بأقل من "تسكير المسابقة"... ولكن عن أي مسابقة نتحدّث؟ عن مسابقة رسم الأشكال الهندسية أو حفظ أغنية ورسم لوحة البيت... بالفعل لو كان للولد في تلك الأوقات لسانٌ لتجرّأ وسأل حتّى لو لم يقدّر العواقب (صارت معروفة)...
أّمّي من بين تلك الأمّهات، وضعتي في المنافسة، ولكن أي منافسة؟ هي تعلم وأنا عليّ أن أنجح... أتمنّى أن أفهم هذا الإصرار في يومٍ ما!
بالفعل، تبقى أجمل الذكريات في أيام الطفولة...
منتصف الطريق...
ينمو الولد بين كل ما مرّ، ويكبر خوف الأمّ معه... لا تخلو هذه المراحل من صديقة أمّي (صارت معروفة)، فبالفعل "عند الضيق ببيّن الصديق"، ووالدي؟؟ أعتقد كانت الخلافات في مراحل متقدّمة، توقّعات لا أكثر!!
مرحلة المراهقة، الأصعب والأشد. في أيّامها يكبر الولد ويسأل ويعترض ويجرؤ على قول "كلا". هذه الكلمة أخاف منها لأن بعدها ليس كما قبلها. ومعها مرحلة المدرسة والعلامات والامتحانات والشكاوى... هموم الولد كثيرة بالفعل.
"كيف عملت"، "بس هلقد"، "لو محلّك سكّرتوا"، "برافو بس فيك تعمل أحسن"... هذه المسابقة خصوصاً لا نهاية لها بل تكون في سلّم أولويّات الوالدة. لا شك بأن خوف الأم مبرّر ومنطقي لابنها التي تراه الأنجح، "إنّما للصبر حدود"... ماراتون العلامات المدرسية كان يُقلق راحتي، ورافقني القلق إلى المرّة الأولى التي لعبتُ فيها الـ"8 المجنونة" و"الحرب" بالورق ولم أفلح بها، فلم أخبرها "بالناقص بهدلة"!...
بين ألغام المسابقات والعلامات، ترافق الأم بهمومها نشأة ولدها. يبقى وضع البيت الأمني مستتباً إلى حين "السهرات" والعودة إلى المنزل... السؤال ما طبيعة السهرات في تلك المرحلة وأين؟ السهرة المجنونة كانت "كيس بزر دوار الشمس مع شوكولا وعصير"، والعودة بطبيعة الأحوال قبل الساعة العاشرة. طريق البيت لن نضلّها، "كلها قنينة عصير" ولكن هم الأم كبير...
يبدأ التحقيق لحظة الدخول إلى البيت والأسئلة تكرج وتكرج وتكرج... كان حظّي كبيراً يوم "استبدلت" العصير وغلَب النوم أمّي!
كبِرتُ وكبِرَت...
شاءت الظروف أن نكبر في بلد همومه ومشاكله لا تنتهي، إلّا أن هم الأم واحد. مهما كبرنا ونجحنا إلّا أن الفرحة الأكبر تكمن عند الأم في الارتباط والزواج. "موّالٌ" لا تبخل علينا أن تغنّيه في كل خطوة جديدة لنا في الحياة. لا يعود يعنيها لا علامات ولا سهرات... "المهم تتيسّر".
كلام التفاؤل الأمل الوحيد لوالدتي، أقلّه في المدى المنظور... كل الكلام والأحاديث يصب في الهدف نفسه، "والتلطيشات" والتمنيّات جاهزة بمكانها ووقتها المناسبين. لا مجال للتهرّب "وما حدا فوق راسو شمسية"!
هنا الاستمرارية، والأجيال الجديدة حاملة اسمها...
21 آذار (مارس)، عيد يتكرّر كل يوم. هي الأم ولا أغلى منها، فسأعود لطفولتي وبكلمات براءة ابن الـ11 عاماً، أعايدك يا أمّي.

العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض