مونة "الزهورات"... إرث تحفظه الجدات من القطاف إلى أمسيات الشّتاء
مع حلول موسم المونة اللبنانية، تتجه الأنظار عادةً إلى الكشك والمكدوس والمربيات، لكنّ ثمة وجهاً آخر لهذا الإرث لا يقل أهمية، هو "مونة الزهورات".
وفي حديثها إلى "النهار"، تروي تقلا الخويري، المزارعة والحرفية اللبنانية، قصة الأعشاب البرية التي كانت الجدّات يجمعنها ويجففنها لترافق العائلات طوال الشتاء، ليس بوصفها مشروباً دافئاً فحسب، بل جزءاً من ثقافة متوارثة ارتبطت بالحياة اليومية قديماً.
لكل نبتة موعد للقطاف وخطوات خاصة للتخرين
تؤكد الخويري أن لكل عشبة موسمها وبيئتها الطبيعية، وأن جمعها يبدأ بعد اكتمال نموها، إذ لا تُقطف قبل نضوجها الكامل. كما تختلف أسماء بعض الأعشاب من منطقة إلى أخرى، رغم تشابه استخداماتها، وكان الناس يعتمدون عليها للتخفيف من الأوجاع البسيطة، بحسب ما توارثوه عن الأجداد.

بعد قطف الأعشاب، تبدأ مرحلة التجفيف، فتُفرد على قطع من القطن أو الكتان، أو على أسطح مناسبة، مع الحرص على تقليبها كل يومين أو ثلاثة أيام حتى تجف تماماً، لأن أي رطوبة متبقية قد تؤدي إلى تعفنها، بحسب الخويري.
أما بعد اكتمال التجفيف، فتوضح الخويري أن الطريقة الصحيحة لحفظها تكون داخل أكياس من القماش أو الكتان، لا في أكياس النايلون التي تحتفظ بالرطوبة. وكانت الجدّات يربطنها على شكل "بقجات" ويعلقنها في أماكن جيدة التهوية، حفاظاً عليها حتى يحين موعد استخدامها.

"الزهورات"... مونة لاستخدامات صحية
وترى الخويري أن الزهورات لم تكن ترفاً، بل ضرورة فرضتها ظروف الحياة قديماً، عندما كان الوصول إلى الطبيب أو الصيدلية يتطلب ساعات من السير.
لذلك اعتمد الناس على الأعشاب التي توفرها الطبيعة في مواسمها، وجعلوا منها ما تصفه بـ"مونة الطب"، يلجأون إليها في مواجهة الأوجاع البسيطة، قبل التوجه إلى الطبيب عند الحاجة. كما تشدد على أن الأعشاب ليست بديلاً من الأدوية، بل كانت وسيلة فرضتها ظروف ذلك الزمن.

"خلطة جدّتي"... وصفة ورثتها الأجيال
ومن بين الوصفات التي لا تزال تحتفظ بها، تتحدث الخويري عن خلطة جدّتها، وهي مزيج من الزهورات تحضّر في أمسيات الشتاء. تُسكب المياه الساخنة فوق الأعشاب وتُترك نحو عشر دقائق حتى تتخمر قبل شربها. وفي المقابل، تشير إلى أن بعض الأعشاب كانت تُستخدم منفردة ولا تُخلط مع غيرها، لأن لكل منها استعمالها الخاص في الموروث الشعبي.

"الزهورات" إرث يستحق أن يبقى
وتختم الخويري بالتأكيد أن قيمة "مونة الزهورات" لا تكمن فقط في الأعشاب نفسها، بل في المعرفة التي انتقلت من جيل إلى آخر. فالحفاظ على هذا الإرث يبدأ باحترام مواسم القطاف، واعتماد أساليب التجفيف والتخزين التقليدية، ونقل هذه الثقافة إلى الأجيال المقبلة، لتبقى "الزهورات" جزءاً من ذاكرة الريف اللبناني، لا مجرد مشروب شتوي.
للاطلاع على مواد الملف:
-لغة الأرض ورائحة البيت... "المونة" حارسة الذاكرة الثقافية
- من شمس "قصرنبا" إلى مطاحن بعلبك: رحلة في خبايا الكشك البقاعي
- "عولة الكسكسي".. مونة تونسية تقاوم الاندثار
- الزعتر الجنوبي... تراثٌ تصونه الأرض وتُهدده الحرب
- الزعتر الحلبي... نكهةٌ تتصدّر موائد الإفطار عالمياً وسرّها في التفاصيل
- الزعتر الأردني... كنز غذائي وتجاري متجذر في الأرض والهويّة
- من تباشير الرطب إلى توثيق الأصناف... الإمارات تحمي إرث النخلة
- في فلسطين... المونة تخزين وإدارة وتدبير
- اقتصاد "المونة" العربية: هل لا يزال "المرطبان" أوفر من السوق؟
- المونة البلديّة... غذاء موسميّ صحّي على مدار العام!
- المشاهير و"المونة"... عودة إلى الجذور بنكهة عصرية
- المونة اللبنانية... من حيلة بقاء إلى إرث فاخر
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض