"رؤية أنفسنا" في "مؤسسة بسام فريحة للفنون"... جيل إماراتي يروي حكايته البصرية

ثقافة 15-06-2026 | 09:09

"رؤية أنفسنا" في "مؤسسة بسام فريحة للفنون"... جيل إماراتي يروي حكايته البصرية

أعمال رصينة ومتأملة تبتعد عن السرديات المبسطة حول التراث أو الحداثة لتكشف صورة أكثر ثراءً ودقة.
"رؤية أنفسنا" في "مؤسسة بسام فريحة للفنون"... جيل إماراتي يروي حكايته البصرية
"الكوكبة المذهبة" لسارة العفيفي. (مؤسسة بسام فريحة للفنون)
Smaller Bigger

إمرأةٌ تقف وسط الصحراء، في يديها مرآةٌ دائرية تحجب وجهها، والمرآة تستعيد امتداد الكثبان الرملية حتى الأفق. تبدو الصورة، للوهلة الأولى، بسيطة في تكوينها، إلا أنّها تطرح سؤالاً معقداً عن الهوية: هل يمكن الإنسان أن يُعرَّف بمعزل عن المكان الذي ينتمي إليه، أو عن الذاكرة التي تشكّل نظرته إلى نفسه والعالم؟

هي واحدة من أكثر اللحظات البصرية كثافة في معرض "رؤية أنفسنا" أو "Seeing Ourselves" (11 حزيران/يونيو - 31 آب/أغسطس)، والذي تستضيفه مؤسسة بسام فريحة للفنون بالتعاون مع جامعة زايد. يضمّ المعرض أعمالاً فوتوغرافية ومشاريع قيّميّة (curatorial projects) وتصاميم معارض أنجزها طلاب إماراتيون، لكنه يتجاوز فكرة عرض المواهب الشابة إلى طرح إشكاليةٍ أعمق تتعلق بالتمثيل والسرد البصري ورسم صورة الإمارات بأيدي أبنائها.

 

“رؤى“ بعدسة ندى خالد. (مؤسسة بسام فريحة للفنون)
“رؤى“ بعدسة ندى خالد. (مؤسسة بسام فريحة للفنون)

 

تزداد أهمية هذه الإشكالية إذا ما وُضع المعرض في سياق المؤسّسة التي تحتضنه. فالمشروع، في أحد أبعاده، حوار مع الإرث البصري الذي خلّفته الأعمال الاستشراقية، تلك التي ساهمت مدى قرون في تشكيل صورة المنطقة في المخيلة الغربية. وإذا كانت تلك الأعمال قدّمت العالم العربي غالباً من خلال عين خارجية، فإنّ "رؤية أنفسنا" يقلب المعادلة، واضعاً الإماراتيين أنفسهم في موقع الراوي وصاحب الصورة. والسؤال، إذاً، ليس كيف يرانا الآخرون، بل كيف نرى أنفسنا؟

من خلال الأعمال المعروضة تتكشّف صورة مجتمع يعيش أزماناً في زمن واحد. الصحراء تتاخم المدينة، والعمارة المعاصرة تجاور الرموز التراثية، والأزياء التقليدية تتنساب مع أشكال التعبير الفردي الجديدة. غير أنّ المعرض لا يتعامل مع هذه العناصر بوصفها ثنائيات متعارضة، وإنما يقرأها باعتبارها مكونات متداخلة تتشكّل بينها علاقات مستمرة من التفاوض والتفاعل.

 

“متوارية“ بعدسة أميرة فيصل البلوشي. (مؤسسة بسام فريحة للفنون)
“متوارية“ بعدسة أميرة فيصل البلوشي. (مؤسسة بسام فريحة للفنون)

 

يأتي بعض أكثر الأعمال تأثيراً من تلك التي تتناول مفهوم التراث بعيداً من الخطاب الاحتفالي المباشر. ففي صورة تتركز على أيدٍ متعاقبة تتبادل مخروط الحناء بين أجيال مختلفة، تغيب الوجوه بالكامل لمصلحة الإيماءة نفسها. لا يظهر التراث هنا كرمز جامد أو مادة للعرض، وإنما كفعل يوميّ حيّ ينتقل من شخص إلى آخر. ومن خلال هذا التركيز على اللمس والحركة، تتحول الذاكرة الثقافية إلى تجربةٍ محسوسة ومجسّدة.

في أعمال أخرى، تتكرّر عناصر مثل الحلي التقليدية والمنسوجات والأزياء الاحتفالية بوصفها مفردات بصرية أساسية. واللافت ليس ما تكشفه هذه الصور، وإنما ما تختار حجبه، عبر صورةٍ لامرأة تختبئ جزئياً خلف حاجز هندسي ("متوارية" لأميرة فيصل البلوشي)، وشخصية أخرى تغمرها طبقات من القماش والزخرفة ("الكوكبة المذهبة" لسارة العفيفي). وبين الحضور والغياب، وبين الإظهار والإخفاء، تنشأ لغة بصرية تؤكّد أنّ الهوية ليست شيئاً يُمنح للناظر بسهولة، بل مساحة يملك أصحابها حقّ التحكم بها.

 

“تبادل“ بعدسة ريم الحوسني. (مؤسسة بسام فريحة للفنون)
“تبادل“ بعدسة ريم الحوسني. (مؤسسة بسام فريحة للفنون)

 

من هذا المنظور، تُقدّم الأعمال ما يُشبه المراجعة الهادئة لتاريخ طويل من التصوير الفوتوغرافي الذي تعامل مع المرأة العربية بوصفها موضوعاً للنظر أو مادة لإسقاطات متخيّلة. أما هنا، فتحتفظ الشخصيات المصوّرة بحقّها في تحديد شروط ظهورها؛ إذ إنّ الصورة لا تسعى إلى الكشف بقدر ما تدافع عن فكرة الاختيار والسيادة على الذات.

في الوقت نفسه، يصبح التصوير الفوتوغرافي نفسه موضوعاً للتأمّل. فالأعمال المعروضة لا تنتمي إلى التوثيق التقليدي بقدر ما تنتمي إلى ممارسةٍ واعية بقدرة الصورة على إنتاج المعنى. ولهذا تحضر المرايا استعارةً لفعل النظر ذاته. فالفنانون لا يوثقون الواقع بقدر ما يختبرون الكيفية التي تتشكّل بها الهويات وتُعرض وتُفهم من خلال الصورة.

 

“مطاردة الريح“ بعدسة وضحى الغلابي. (مؤسسة بسام فريحة للفنون)
“مطاردة الريح“ بعدسة وضحى الغلابي. (مؤسسة بسام فريحة للفنون)

 

يبرز هذا التفاعل بين الثبات والتغير بوضوح في الأعمال التي تتناول المشهد الطبيعي. فالصحراء، التي ظلّت طويلاً إحدى الركائز الرمزية للهوية الإماراتية، تظهر هنا في صور جديدة وغير متوقّعة. ففي "مطاردة الريح" لوضحى الغلابي، ترسم مركبات الدفع الرباعي خطوطاً على الرمال، مضيفة إلى المشهد إشارات إلى التكنولوجيا والترفيه والحضور الإنساني. والنتيجة صورة تعترف بأنّ التراث والحداثة يتطوران الواحد داخل الآخر.

الأمر نفسه ينسحب على العمارة. ففي صورة "العبور" لريم الحوسني، والتي تعبر فيها شخصية ضبابية أمام واجهة معاصرة تعتريها زخارف هندسية، يتحول المشهد إلى تأمّلٍ بصري في مجتمع يعيش إيقاعاً متسارعاً من التحول. المبنى يبدو ثابتاً ومهيباً، فيما تبدو الشخصية عابرة ومتغيرة، وبينهما تتجسّد علاقة معقدة بين الاستقرار والحركة، وبين الذاكرة والتجدد.

 

“العبور“ بعدسة ريم الحوسني. (مؤسسة بسام فريحة للفنون)
“العبور“ بعدسة ريم الحوسني. (مؤسسة بسام فريحة للفنون)

 

عند هذه النقطة، يكتسب عنوان المعرض معنى أوسع مما يوحي به للوهلة الأولى. فـ"رؤية أنفسنا" لا يتحدث عن الهوية الوطنية فحسب، بل بالأحرى عن فعل الرؤية نفسه: من ينظر؟ ومن يُنظر إليه؟ ومن يمتلك سلطة إنتاج الصورة وتوجيهها؟

بالنسبة إلى جيلٍ نشأ في ظلّ تحولات عمرانية واجتماعية وتكنولوجية غير مسبوقة، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً من أيّ وقت مضى. لكن قوة المعرض تكمن في أنه لا يقدّم إجاباتٍ جاهزة أو تعريفات نهائية؛ إنه يفضّل الإصغاء إلى التعقيد، والاقتراب من الهوية بوصفها عملية مستمرة من الاكتشاف وإعادة الصياغة.

 

“مؤسسة بسام فريحة للفنون“ في السعديات.
“مؤسسة بسام فريحة للفنون“ في السعديات.

 

لهذا تحديداً تتجاوز أهمية المشروع حدوده الفنية المباشرة. ففي منطقة طالما جرى تمثيلها من الخارج، يصبح فعل التمثيل الذاتي موقفاً ثقافياً في ذاته. أما النتيجة، فهي مجموعة من الأعمال الرصينة والمتأملة التي تبتعد عن السرديات المبسطة حول التراث أو الحداثة، لتكشف صورة أكثر ثراءً ودقة: جيلٌ يسعى إلى كتابة حكايته بنفسه، وهو يدرك في الوقت ذاته أنّ الهوية، مهما بدت واضحة، ستظلّ دائماً أكبر من أيّ صورة واحدة قادرة على احتوائها.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 6/18/2026 6:10:00 AM
يعتبر "الجنرال" أن إخفاء هويّته يحرّره تماماً من الضغوط الاجتماعية والروابط العشائرية والمجاملات السياسية.
شمال إفريقيا 6/16/2026 11:26:00 PM
لغز "الأتوبيس الأسود" في القاهرة ينتهي.. والداخلية تكشف التفاصيل
لبنان 6/18/2026 5:05:00 PM
اعتمد "حزب الله" على مسيّرات متفجّرة تعمل بالألياف الضوئية في مهاجمة قوات ومواقع إسرائيلية، وقال مسؤولون فيه إنها تُصنّع في لبنان.
لبنان 6/18/2026 8:05:00 PM

الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة على فرنجية وقماطي وشبكة مالية مرتبطة بـ"حزب الله" في لبنان وسوريا والعراق وعُمان