جوانا خلف تروي قصّة "لبنانية أمّاً عن ست"... أزمة الجنسية بالكوميديا والوجع (فيديو)
في باريس، حيث تتداخل الهويات وتذوب الحدود الثقافية داخل مدينة اعتادت احتضان الغرباء، وجدت الممثلة اللبنانية جوانا خلف نفسها تعود، عبر المسرح، إلى سؤال لبناني قديم لم يفقد قسوته حتى اليوم: ماذا يعني أن تكون الأم لبنانية، لكنّ طفلها يبقى غريباً عن وطنها؟

هذا السؤال يشكّل قلب مسرحية "لبنانية أمّاً عن ست"، العمل الكوميدي الذي سيُعرض في 12 و14 و16 حزيران/يونيو ضمن مهرجان "Nouvel Acte" في فرنسا، بعدما اختير من بين أكثر من 200 مشروع مسرحي جديد ليكون واحداً من ستة عروض فقط وصلت إلى المرحلة النهائية.
لكن المسرحية، رغم انطلاقها من قضية قانونية واجتماعية حساسة، لا تأتي بصيغة خطابية أو شعاراتية، بل عبر حكاية إنسانية ساخرة ومؤلمة في آن. ففي حديث خاص لـ"النهار"، تكشف جوانا خلف أنّ الشرارة الأولى للعمل خرجت من تجربة شخصية تعيشها يومياً كأمّ لطفل يحمل الجنسية الفرنسية، لكنّه في الوقت نفسه يحمل اسم عائلتها اللبنانية، ويتحدّث العربية، ويعيش ارتباطاً عاطفياً عميقاً بلبنان.

تقول خلف: "ابني يحمل الجنسية الفرنسية، لكنه يحبّ لبنان بطريقة كبيرة، ويتحدّث العربية، ويحمل اسم عائلتي اللبنانية، ومع ذلك لا يحقّ له الحصول على الجنسية اللبنانية. هناك غضب داخلي تجاه هذا الأمر، وربما كان هذا الغضب هو بداية المسرحية".
ورغم قرب الموضوع من حياتها الشخصية، رفضت خلف أن تحوّل المسرحية إلى سيرة ذاتية مباشرة، فاختارت خلق شخصية " كلوي لوغال توما"، الشابة التي وُلدت في لبنان لكنها عاشت معظم حياتها في باريس داخل بيت لبناني صغير صنعته لها والدتها وسط المجتمع الفرنسي. بيت مليء باللغة العربية، وأغنيات فيروز والطبخ اللبناني والرحلات الصيفية إلى الوطن.

تكبر "كلوي" وهي مقتنعة بأنّ لبنان هو وطنها الحقيقي، لا مجرد بلد تزوره في الإجازات. لكن بعد وفاة والدتها، تقرّر العودة إلى لبنان لتحقيق حلمها بالعيش فيه، لتكتشف تدريجاً أنّ الحنين شيء، والواقع شيء آخر تماماً.
هنا تحديداً، تبدأ المسرحية بتفكيك الصورة الرومانسية التقليدية عن لبنان. فلا تحاول استعادة "لبنان الجميل"، ولا تكتفي بصورة الوطن المعلّق في ذاكرة المغتربين، بل تواجه لبنان كما هو اليوم، بتناقضاته وفوضاه وصعوباته وحتى خيباته.
وتقول خلف: "لم أرد الحديث عن لبنان الماضي أو لبنان النوستالجيا. أردت الحديث عن لبنان اليوم كما أراه أنا بعد سنوات طويلة في فرنسا، بكل الأشياء الجميلة والمتعبة فيه".

ورغم ثقل القضية، اختارت خلف أن تمرّر كل هذا عبر الكوميديا، لا التراجيديا. فالمسرحية، وإن كانت تحمل وجعاً واضحاً، تعتمد على الضحك بوصفه أداة لكشف التناقضات لا للهروب منها. وتوضح: "أحبّ المسرح الذي يجعل الناس تضحك، ثم تكتشف فجأة أنّها تفكر بقضية موجعة. لا أحبّ المسرح الذي يقدّم المواعظ المباشرة للجمهور".
هذه الكوميديا لا تأتي من النكات السهلة، بل من المفارقات اليومية التي تعيشها الشخصيات، ومن الهوّة بين شعور الانتماء والاعتراف القانوني. فكيف يمكن لطفل يتحدّث العربية، ويحفظ تفاصيل لبنان، ويعيش مشاعر الخوف نفسها خلال الحرب، أن يبقى في نظر القانون "أجنبياً"؟

هذا السؤال لم يكن بالنسبة إلى خلف مجرد فكرة درامية، بل تجربة عاشتها شخصياً خلال الحرب الأخيرة على لبنان. ففي تلك الفترة، كانت موجودة في بيروت مع ابنها لتقديم عروض مسرحية، قبل أن يُغلق المطار ويجدا نفسيهما عالقين في لبنان لأكثر من شهر.
وتروي: "ابني عاش الحرب في لبنان بكل تفاصيلها، وبقينا أكثر من شهر عالقين بعد إغلاق المطار. ومع انتهاء مدة إقامته، اضطر إلى دفع غرامة قدرها 150 دولاراً لأنه يُعتبر أجنبياً في بلد والدته".
وتضيف: "هنا شعرت بمدى الظلم الحقيقي في الموضوع. كيف يمكن لطفل يعيش كل هذا معك، ويشبهك، ويحمل اسمك، ثم يُعامل كغريب؟".
ولا تنفصل هذه الرؤية عن الشكل الفني الذي اختارته خلف للعمل. لذلك استعانت بالمخرجة الصينية Ji Chen، التي سبق أن تعاونت معها في مسرحية "24 ساعة من حياة امرأة"، في محاولة لخلق نظرة خارجية إلى الحكاية اللبنانية، بعيدة من العاطفة المفرطة.

وتشرح خلف: "كنت بحاجة إلى شخص يرى النص من الخارج، لا من داخل المشاعر اللبنانية المعتادة. أحببت فكرة أن تكون المخرجة لا تعرف لبنان مسبقاً، فتتعامل معه بفضول وأسئلة جديدة".
أما الموسيقى الحية، فيقدّمها الفنان هادي نصر الدين على آلة العود مباشرة على المسرح، في حضور موسيقي يرافق التحولات النفسية للشخصيات، فيما تتولى الفنانة التشكيلية كوثر بالوق تنفيذ العناصر البصرية والغرافيكس التي تُعرض خلال العمل، بينما تنتج المسرحية "إنترناشونال تياتر باريس".

تؤكد خلف أنّ أكثر ما أتعبها كان كتابة النهاية، لأنها لم تكن تريد عملاً يكتفي بالصراخ أو الشكوى، بل أرادت ترك نافذة أمل مفتوحة. وتقول: "كتبت أكثر من نهاية، وكنت أبحث عن إجابة لغضبي الشخصي. وعندما وجدت النهاية المناسبة شعرت براحة حقيقية".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
المسّ بركائز وثيقة الوفاق الوطني –سواء بطريقة مباشرة عبر طرح مشروع "المُثالثة"، أو بطريقة ملتوية عبر المناداة بتطبيقٍ ملتوٍ للطائف تحت شعار تطبيقه "كاملاً" – قد يُدخل البلاد في سجالٍ يدفع بها نحو الحرب الأهلية...
نبض