ليلة "موسيقى الحجرة" بين الفلهارمونية والشباب الكونسرفاتوار
أمسية ساحرة لـ"موسيقى الحجرة" قدمها الكونسرفتوار الوطني بدعوة من رئيسته المؤلفة الموسيقية الدكتورة هبة القواس، ضمن أمسيات المعهد الدوريّة في الكنيسة الإنجيلية الأرمنية الأولى في بيروت، من خلال حدث موسيقي باهر حمل أبعاداً موسيقية فنية تعليمية واستراتيجية، أحياه أعضاء من الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية، بالإضافة إلى عناصر من الأوركسترا اللبنانية للشباب (NYO).
حضر الحفل حشد من محبي الموسيقى الكلاسيكية في لبنان وجمهور الكونسرفتوار ووجوه ديبلوماسية وثقافية وإعلامية.

افتتحت الأمسية المستشارة الإعلامية في المعهد الوطني العالي للموسيقى ماجدة داغر، وألقت كلمة باسم رئيسة المعهد، الدكتورة هبة القواس، جرى فيها تسليط الضوء على الأهمية الجوهرية لإحياء حفلات "موسيقى الحجرة" (Chamber Music) كمنصة للتثقيف والسمع التقني، وأوضحت أن هذا النوع من الحفلات يهدف إلى تعريف الجمهور بالآلات الموسيقية عن كثب، بعيداً عن ضخامة الأوركسترا الكاملة، ما يخلق حالة من التواصل الحميم والمباشر بين المستمع والآلة.
واعتبرت القواس أن اختيار عمل المؤلف الفرنسي كامي سان صانس Camille Saint-Saëns (1835-1921) (Le Carnaval des animaux) (كرنفال الحيوانات) ضمن برنامج الحفل لم يكن عبثاً، بل لكونه عملاً تعليمياً بامتياز يدرّب الجمهور على "فن الاستماع". ففي هذا العمل، تبرز كل آلة بدور منفرد وشخصية صوتية مستقلة.
ومع وجود "الراوي" الذي يواكب المقطوعات ويشرح تقسيم الآلات، تتبلور بداية رؤية المعهد للذهاب إلى أبعد من ذلك، عبر منح الجمهور فكرة واضحة حول كيفية بناء التوزيع الأوركسترالي (Orchestration).
وأشارت إلى أن المعهد بصدد تنظيم سلسلة حفلات مستقبلية من هذا النمط، ستتضمّن شروحاً حيّة حول البناء الأوركسترالي والهارموني. وتأتي هذه المبادرة كخطوة لتطوير "السمع التقني" لدى المتلقي، لتمكينه من فهم كيفية تآلف الآلات وتركيبها الصوتي.
فبدءاً من "كرنفال سان صانس"، حيث تُسمع كل آلة بمفردها، سيتسنّى للجمهور إدراك الدور الصوتي (Acoustically) والوظيفي لكل آلة ضمن النسيج الموسيقي المتكامل.

وشددت الكلمة على أن مشاركة عازفي أوركسترا الشباب إلى جانب أعضاء من الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية في الحفل، هي جزء من استراتيجية المعهد لتمكين الطاقات الشابة ودعمها، وصقل خبراتها ليصبح الشباب جزءاً من الجسم الفلهارموني الرسمي مستقبلاً، بما يضمن لهم مساراً مهنياً واعداً وفرص عمل مستدامة في وطنهم. وتحدثت داغر عن البرنامج الموسيقي الذي يحمل خصوصية مختلفة في هذه الأمسية، وتحديداً القسم المخصّص للمؤلف الفرنسي كامي سان صانس ورائعته "كرنفال الحيوانات" الذي كسر من خلاله المعمار السمفوني الذي كان سائداً آنذاك، محدثاً بذلك نمطاً حديثاً للموسيقى الكلاسيكية أصبح شائعاً بعد عقود.
ومع الدراما الأوبرالية، بدأ القسم الأول من البرنامج مع عبقري الموسيقى وولفغانغ أماديوس موزار، حيث أدارت أعضاء الأوركسترا بتركيز عالٍ الكونسرت ماستر أوليانا كيسليتسينا، التي استطاعت ضبط الإيقاع الدرامي لافتتاحية أوبرا "دون جيوفاني".
أما الحضور الطاغي في هذا القسم فكان للباريتون فادي جانبارت، الذي أثبت تمكناً لافتاً في الأداء الأوبرالي الآسر. تميّز صوت جانبارت بقدرته على التلون الصوتي والدرامي، ففي أريا "Deh, vieni alla finestra"، قدّم جانبارت "السيرينادا" بنعومة وسلاسة، مبرزاً ليونة طبقته الوسطى وجاذبية الغناء العاطفي.
في أريا "انتحار باباجينو" من أوبرا "الناي السحري"، انتقل ببراعة إلى الأداء الكوميدي-التراجيدي، حيث استخدم مرونة صوته ليعبّر عن حيرة ويأس الشخصية، ما عكس قدرة عالية على التمثيل الصوتي أدهشت الحضور.
وإلى الكرنفال الحيّ في القسم الثاني، قدمت التشكيلة المشتركة بين الفلهارمونية والشباب تحفة كامي سان صانس، "كرنفال الحيوانات" في لوحات بصرية بأدوات موسيقية، فتجلّت أهمية التفاعل بين العازفين، من حيث التناغم والأداء. وظهرت قدرة الأوركسترا على محاكاة أصوات الطبيعة بدقة مذهلة، من زئير الأسد المهيب في البداية، إلى نقرات الدجاج والديوك. واستكمالاً لتأثير اللوحة الموسيقية المذهلة، قدّم الراوي إتيان كوبيليان، وهو عازف في الأوركسترا وأستاذ موسيقى الحجرة في المعهد بصوته وأدائه المسرحي باللغة الفرنسية، تعريفاً بكل مقطوعة من "كرنفال الحيوانات" قبل عزفها، فأضفى إلقاؤه جواً من الحضور المسرحي البهيج.
وبرزت قدرة الصولو على الآلات المنفردة، فتألق عازف آلة "التشيلو" في مقطوعة "البجعة" الشهيرة، حيث كان الأداء ينساب برقة متناهية تعكس النقاء والهدوء. أما في مقطوعة "الأحافير" و"السلحفاة"، فقد أظهر العازفون الشباب مهارة تقنية عالية في مجاراة المحترفين، خاصة في ضبط النبرات الإيقاعية المعقدة.
وكان الختام انفجاراً من الحيوية، حيث اختلطت تيمات الحيوانات كلها في وحدة عضوية أثبتت نجاح تجربة دمج الشباب مع المحترفين، ما خلق صوتاً أوركسترالياً متجدداً ومليئاً بالطاقة. وتحديداً من خلال الأداء المنفرد (Solo) لعازف البيانو الطالب رامي طنّوس الذي خاض تجربة العزف المنفرد مع الأوركسترا، ما يمنحه خبرة ميدانية واسعة ويؤهّله لتولي مهام موسيقية أكبر وأكثر احترافية في مسيرته المستقبلية.
انتهى الحفل بتصفيق حارّ من جمهور، ليؤكد أن الموسيقى في لبنان لا تزال تنبض بالحياة، ولا سيما في اللقاء بين الخبرة والشغف الشاب، ليرسم ملامح جديدة للمشهد الثقافي، حيث تصبح الموسيقى علماً يُدرّس، وفنّاً يُستمتع به، ومستقبلاً مهنياً يُبنى.
نبض