الصوم في زمن الحرب والنزوح... ماذا تقول المرجعيات الدينية في لبنان؟

لبنان 14-03-2026 | 15:54

الصوم في زمن الحرب والنزوح... ماذا تقول المرجعيات الدينية في لبنان؟

رمضان والصوم الكبير في ظل الحرب: هل تخفف الأديان شروط الصيام؟
الصوم في زمن الحرب والنزوح... ماذا تقول المرجعيات الدينية في لبنان؟
خيمة السلام في وسط بيروت (نيبل اسماعيل)
Smaller Bigger

للسنة الثانية على التوالي، يتزامن الصوم لدى المسيحيين والمسلمين في لبنان، في مشهد روحي نادر يجمع الطوائف على معنى التقشّف والعودة إلى الذات. غير أن المفارقة هذا العام أن الحرب تحضر ثالثةً في هذا المشهد، فيما يعيش اللبنانيون تحت وطأة القلق والنزوح والخسائر.

في ظل هذه الظروف الاستثنائية، يطرح كثيرون أسئلة حول معنى الصوم في زمن الأزمات والحروب: هل يتغيّر مفهومه؟ وهل تخفّف المرجعيات الدينية من شروطه؟ أم أن الصوم يكتسب في مثل هذه الظروف بُعداً روحياً أعمق؟

في محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة، أجرت "النهار" مقابلات مع الشيخ محمد الحنجول عن الطائفة السنيّة، والشيخ قاسم الجرمقي عن الطائفة الشيعية، والخوري أنطوان مشعلاني عن الكنيسة المارونية الكاثوليكية، للوقوف عند نظرة الفقه والكنيسة إلى الصوم في زمن الحرب.

 

 (Freepik) الصوم لدى الطوائف المسيحية والمسلمة في لبنان في زمن الحرب (Freepik)
(Freepik) الصوم لدى الطوائف المسيحية والمسلمة في لبنان في زمن الحرب (Freepik)

 

الشيخ محمد الحنجول: الصوم في الحرب ليس امتناعاً عن الطعام بل قوة روحية


يوضح الشيخ السني محمد الحنجول أن الأصل في المسلم القادر هو صيام شهر رمضان، ولا يُباح الفطر إلا في حالات محددة نصّ عليها الشرع، من أبرزها السفر. ويشير إلى أن الفقه الإسلامي يعتبر السفر عذراً للفطر إذا بلغت مسافته نحو 83 كيلومتراً أو أكثر، شرط أن يكون سفراً حقيقياً لا بقصد التحايل على الصيام.

ويؤكد الحنجول أن الصوم في أزمنة المحن والحروب لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل يتحوّل إلى حالة من المرابطة الروحية تسمو بالنفس فوق قسوة الواقع. وفي لبنان، حيث يترافق الصبر مع مرارة النزوح، يكتسب شهر رمضان معاني إنسانية عميقة.

ويرى أن الصوم في زمن الحرب يصبح تدريباً للنفس على الصبر والثبات؛ فاختيار الإنسان الصيام رغم الحرمان الذي تفرضه الظروف يعكس قوة الإرادة والقدرة على مواجهة الخوف والقلق.
كما يلفت إلى بُعدٍ وجداني في الصوم يتمثل في المقابلة بين الجوع الذي يختاره الصائم تعبداً والجوع الذي يعيشه الفقير والنازح قسراً، ما يعزّز مشاعر الرحمة والتضامن ويذكّر الناس بقيمة النِّعم.

 

 

 (Freepik) الصوم لدى الطوائف المسيحية والمسلمة في لبنان في زمن الحرب (Freepik)
(Freepik) الصوم لدى الطوائف المسيحية والمسلمة في لبنان في زمن الحرب (Freepik)

 

ويضيف أن الحروب تُبرز وحدة المصير بين الناس، فيتحوّل الإفطار، ولو كان بسيطاً، إلى مساحةٍ للتكافل، حيث يتقاسم الجيران الطعام ويمنحون بعضهم بعضاً شعوراً بالأمان، فيما تخلق الصلوات والدعوات المشتركة في ليالي رمضان أجواءً من السكينة تخفف التوتر والخوف.

ويختم الحنجول بالتأكيد أن انتظار الإفطار كل يوم يذكّر بإمكانية الفرج بعد الضيق، كما يعقب العطش ريّ ويعقب الليل فجر. لذلك يسهم الصوم في ترسيخ الأمل بأن الشدائد عابرة، وأن الإيمان يتجلّى في مثل هذه الظروف من خلال الصبر والتكافل، حيث تصبح كسرة الخبز المقتسمة أصدق تعبير عن التضامن بين الناس.

 

 

الشيخ قاسم الجرمقي: الصوم واجب ولا يُترك بسبب الخوف أو صعوبة الغذاء


من جهته، يرى الشيخ الشيعي قاسم الجرمقي أن الصيام في شهر رمضان واجب شرعي لا يسقط بمجرد الخوف أو صعوبة تأمين الغذاء، مؤكداً أن هذه الظروف لا تُعد في الفقه مبرراً للإفطار.

ويشير الجرمقي إلى أن الصيام فريضة وردت في القرآن الكريم بقوله تعالى: "كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم"، لافتاً إلى أن الصوم حاضر أيضاً في الديانات السماوية الأخرى كالمسيحية واليهودية.

وفي ما يتعلق بفرق الإسعاف والإغاثة أو الدفاع المدني التي تعمل في ظروف الحرب، يؤكد الجرمقي أن أداء المهام الصعبة لا يبرر الإفطار في حد ذاته. فالفطر، بحسب الفقه، يحتاج إلى أسباب واضحة مثل المرض الشديد أو المشقة التي يعجز الإنسان عن احتمالها، أما مجرد صعوبة العمل فلا يُعد سبباً كافياً للإفطار.

 

 

 (Freepik) الصوم لدى الطوائف المسيحية والمسلمة في لبنان في زمن الحرب (Freepik)
(Freepik) الصوم لدى الطوائف المسيحية والمسلمة في لبنان في زمن الحرب (Freepik)

 

 

ويرى أن للصيام بُعداً روحياً ومعنوياً مهماً، إذ يمنح الإنسان قوة الإرادة والعزيمة. ويضيف أن الحرب في جوهرها ليست مواجهة جسدية فقط، بل هي أيضاً صراع إرادات على المستوى النفسي، ما يجعل الصوم عاملاً يعزز الصبر والقدرة على المواجهة.

كما يشدد على أن الصيام يعمّق الإحساس بالآخرين، إذ يدفع الإنسان إلى استشعار معاناة الجائعين والمحتاجين، ما يعزز روح التكافل والتضامن داخل المجتمع. ويخلص إلى أن الصوم، حتى في زمن الحرب، يبقى رسالة روحية تعزز الرحمة والمحبة وتمنح الإنسان طاقة معنوية لمواجهة الصعوبات.

 

 

 (Freepik) الصوم لدى الطوائف المسيحية والمسلمة في لبنان في زمن الحرب (Freepik)
(Freepik) الصوم لدى الطوائف المسيحية والمسلمة في لبنان في زمن الحرب (Freepik)

 

 

الخوري أنطوان مشعلاني: الصوم في زمن الحرب يكتسب معنى أعمق


من جهته، يؤكد الخوري أنطوان مشعلاني، كاهن في الكنيسة المارونية، أن جوهر الصوم في نظر الكنيسة لا يتغيّر في زمن الحرب، لكنه يكتسب معنى أكثر عمقاً.

فالصوم، كما عاشه يسوع المسيح في البرية، ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل مسيرة توبة واتحاد بالله والثقة بعنايته في وسط التجربة والضيقات.

ويضيف أن زمن الحرب يجعل الصوم دعوة إلى الاتحاد بآلام المسيح وتحويل الألم إلى صلاة وتضامن مع الآخرين، إضافة إلى التركيز على الصوم الروحي الذي يتحدث عنه النبي أشعيا، أي كسر الظلم ومساندة المتألمين والضعفاء.

ويشير مشعلاني إلى أن الكنيسة قد تخفف أحياناً من الانضباط المتعلق بالطعام عندما يتعذر تأمينه، لكنها تشدد أكثر على الصوم الداخلي القائم على التوبة والرحمة والمحبة.

ويرى أن الصوم في الأزمات يكشف قوته الحقيقية، إذ يعلّم الإنسان ضبط رغباته ومواجهة ضعفه، ما يمنحه قدرة أعمق على الصمود. وهكذا يصبح الصوم مدرسة روحية تعيد ترتيب الأولويات وتبني الرجاء حتى في أصعب الظروف.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 3/14/2026 3:10:00 PM
قرقاش: في الإمارات نثبت كل يوم أن صلابتنا أقوى من حقد المعتدي
المشرق-العربي 3/14/2026 2:30:00 PM
انضمّت سوريا رسمياً إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم "داعش".
النهار تتحقق 3/14/2026 1:52:00 PM
"بيان رسمي من مكتب رئيس الوزراء: الشائعات المتداولة حول وضع رئيس الوزراء غير مؤكدة..."، يُقرأ في المنشور.