كيف نحمي أطفالنا من صدمة أخبار الحروب؟
ليال غدار
باحثة وخبيرة تربوية
في زمن الحروب، لا يصل صوت الانفجارات إلى الأطفال فقط عبر الواقع، بل عبر الشاشات أيضاً. الأخبار المتكررة، الصور الدموية، والمقاطع السريعة المنتشرة على وسائل التواصل، تجعل الطفل يعيش الحدث حتى لو لم يكن في منطقة القتال. والخطر هنا لا يكمن في المعرفة بحد ذاتها، بل في الطريقة التي يستقبل بها الطفل هذه المعرفة.
الطفل لا يمتلك النضج الإدراكي الذي يمكّنه من فهم السياق السياسي أو الجغرافي للحرب. فعندما يرى صور الدمار، قد يفسّرها على أنها تهديد مباشر لحياته. ولهذا تشير تقارير الـ UNICEF إلى أن التعرض المكثف لأخبار النزاعات قد يزيد من مستويات القلق واضطرابات النوم لدى الأطفال، حتى لو كانوا في أماكن آمنة نسبياً. المشكلة ليست فقط في الحدث، بل في شعور الطفل بأن العالم أصبح غير قابل للتنبّؤ.
من الناحية النفسية، يعمل دماغ الطفل بطريقة حسّاسة تجاه الصور العنيفة. فاستجابة التوتر لديه تكون أسرع وأقلّ قدرة على التنظيم الذاتي مقارنة بالبالغين. وقد حذّرت World Health Organization من أن التعرض المتكرّر للموادّ الصادمة يمكن أن يؤدي إلى تنشيط دائم لنظام التوتر، ما يؤثر على النمو العاطفي إذا لم يُحتوَ مبكراً.

لكن الحماية لا تعني العزل الكامل. فإخفاء الواقع تماماً قد يدفع الطفل إلى تخيّل سيناريوات أكثر رعباً. الحماية الحقيقية تبدأ بتنظيم التعرض. ليس من الضروري أن تكون نشرات الأخبار مفتوحة طوال اليوم، ولا أن تُشاهَد المقاطع العنيفة أمام الأطفال. البيئة الإعلامية داخل المنزل مسؤولية تربوية.
الحوار هو خط الدفاع الأول. عندما يسأل الطفل: “هل ستصل الحرب إلينا؟” فهو لا يبحث عن تحليل سياسي، بل عن طمأنينة. الإجابة الهادئة، الواضحة، والمختصرة تعيد إليه الشعور بالأمان. الدراسات النفسية تؤكد أن الأطفال الذين يجدون مساحة للتعبير عن مخاوفهم يظهرون قدرة أعلى على التكيّف مقارنة بمن يُطلب منهم تجاهل مشاعرهم.
كما أن استقرار الروتين اليومي يلعب دوراً محورياً. مواعيد النوم المنتظمة، متابعة الدراسة، أوقات اللعب، وحتى الطقوس العائلية البسيطة، كلها رسائل غير مباشرة تقول للطفل: "حياتنا ما زالت مستقرة.". هذا الاستقرار هو ما يعزز ما يسمّى بالمرونة النفسية، أي القدرة على التكيف رغم الأزمات.
ولا يمكن إغفال أهمية سلوك الوالدين أنفسهم. فالطفل يقرأ تعابير الوجه ونبرة الصوت أكثر مما يسمع الكلمات. إذا كان الكبار في حالة ذعر دائم أمام الأخبار، فسيتعلّم الطفل أن الخطر دائم. أما إذا رأى هدوءاً واتزاناً، فسيفسّر الحدث ضمن إطار أكثر أماناً. هنا يصبح الوعي الانفعالي للأهل جزءاً من حماية الطفل.
في بعض الحالات، قد تظهر مؤشرات تحتاج إلى تدخل متخصّص: كوابيس متكرّرة، خوف مفرط من الانفصال، تراجع دراسيّ ملحوظ، أو سلوك عدواني غير معتاد. التدخل المبكر يمنع ترسّخ الأثر النفسي.
في النهاية، حماية أطفالنا من أخبار الحرب ليست مهمة تقنية، بل علاقة إنسانية قائمة على الاحتواء. الطفل لا يحتاج إلى معرفة كل التفاصيل، بل يحتاج إلى بالغٍ يشعره بأن العالم، رغم اضطرابه، ما زال يحتوي على مساحة أمان. وحين نوفر له هذه المساحة، فإننا لا نحميه فقط من أثر الخبر، بل نزرع داخله قدرة على الصمود بوجه العواصف.
نبض