لقاء "حماية لبنان": انفتاح شيعي واعتراض قواتي-كتائبي وحذر اشتراكي
هل يُحمى لبنان بمن حضر؟ سؤال فرض نفسه غداة لقاء "حماية لبنان"، بعدما نجح في جمع قوى وشخصيات سياسية من اتجاهات مختلفة، لكنه بقي بعيداً عن صورة الإجماع الوطني مع غياب قوى أساسية، لكل منها أسبابها وحساباتها.
اللقاء الذي جاء ثمرة مبادرة أطلقها "التيار الوطني الحر" قبل أربعة أشهر، خرج بوثيقة شددت على دور الدولة والجيش، وحصرية السلاح بيد الدولة، ورفض الاحتلال الإسرائيلي والفتنة والتدخلات الخارجية. من هنا برزت أسئلة اكثر تعقيداً: هل يحتاج لبنان إلى حوار جديد أم إلى تنفيذ ما اتُّفق عليه؟ وهل تكفي وثيقة جديدة لجمع اللبنانيين، فيما العناوين التي ناقشها اللقاء، من السلاح إلى دور الدولة، لا تزال في صلب الانقسام السياسي؟
من حيث الجوهر، يؤكد المستشار السياسي لرئيس "التيار الوطني الحر" أنطوان قسطنطين لـ"النهار" أن اللقاء "كان خلاصة أربعة أشهر من المشاورات مع معظم القوى السياسية تقريباً لوضع قواعد مشتركة لحماية لبنان من التدخلات الخارجية والفتنة الداخلية بشكل رئيسي"، مشدداً على أن الوثيقة "ليست بديلاً من الحكومة، بل منصة تلاقٍ حول الحد الأدنى من الثوابت الوطنية".

أما على مستوى الحضور، فضم اللقاء طيفاً سياسياً متنوعاً، وإن بقي بعيداً عن الإجماع . ويشير قسطنطين إلى مشاركة "حركة أمل"، إضافة إلى "مجموعة لا تقل عن 10 نواب سنّة بألوانهم السياسية المختلفة"، فضلاً عن مجموعات من طوائف وأحزاب أخرى وشخصيات مستقلة، إلى جانب "الأحباش" و"الجماعة الإسلامية" وغيرهم.
في المقابل، لم تتم دعوة "حزب الله" و"القوات اللبنانية"، إذ يوضح قسطنطين أن عدم دعوة الحزب يعود إلى أن الوثيقة تتضمن عناوين، أبرزها حصرية السلاح بيد الدولة، لا تتوافق مع موقفه، فيما يلفت إلى أن التواصل مع "القوات اللبنانية" لم يُفضِ إلى تحديد موعد للقاء.
أما غياب "الحزب التقدمي الاشتراكي"، فلم يكن اعتراضاً على عنوان المبادرة، بحسب الحزب، بل انطلاقاً من قناعة بأن أي لقاء تحت عنوان "حماية لبنان" يجب أن يكون جامعاً لكل القوى. كذلك، اتخذ حزب "الكتائب اللبنانية" موقفاً مختلفاً، إذ رأى أن الأولوية اليوم ليست لحوار جديد، بل لتنفيذ قرارات الدولة المتعلقة بحصر السلاح.
حركة أمل: حصرية السلاح لم تعد نقطة خلاف
فعلياً، الحدث الأبرز كان مشاركة "حركة أمل"، الحليف الأول لـ"حزب الله"، في نقاش تناول مباشرة مسألة حصرية السلاح بيد الدولة. وفي موقف حمل دلالات سياسية، اعتبر عضو كتلة "التنمية والتحرير" النائب محمد خواجة أن اللقاء يشكل مساحة للتلاقي، قائلاً لـ"النهار": "اللبنانيون اليوم هم أكثر من يحتاج إلى التلاقي والحوار. وقد شكّل هذا اللقاء فرصة لحوار راقٍ وهادئ، وفتح مساحة، ولو محدودة، أمام أطراف سياسية وفعاليات نيابية وشخصيات مؤثرة للتعبير عن آرائها ومواقفها".
ويؤكد خواجة أن مشاركة الحركة لا تعني تبنيها كل ما ورد في الوثيقة، موضحاً: "لدينا ملاحظات عليها وأعربنا عنها، لكن المؤتمر شكّل فرصة للتعبير عن موقفنا ورؤيتنا ومقاربتنا لكيفية حماية لبنان".
أما في موضوع السلاح، فيقول: "نحن نؤيد فكرة أن الدولة هي صاحبة السيادة، ويجب أن تكون مسؤولة عن الأمن وعن القرارات المصيرية في البلد"، مضيفاً أن "حصرية السلاح لم تعد نقطة خلاف اليوم، وهناك مياه كثيرة جرت في النهر خلال السنوات الماضية، وكل الأطراف أعادت النظر ببعض مواقفها".
في المقابل، شدد خواجة على رفض حركة أمل اصطفاف لبنان ضمن أي محور، قائلاً إن البلد "يجب ألا يكون ساحة لأحد"، وإن المصلحة اللبنانية يجب أن تبقى فوق كل اعتبار، محذراً من "استبدال وصاية بوصاية"، ومعتبراً أن المطلوب ليس تغيير جهة التبعية بل رفض مبدأ التبعية.
الاشتراكي: حماية لبنان تتحقق بمشاركة مختلف القوى
رغم تقاطع "الحزب التقدمي الاشتراكي" مع عنوان المبادرة ومضمون الوثيقة، يوضح أمين السر العام للحزب ظافر ناصر لـ"النهار" أن قرار عدم المشاركة لم يكن اعتراضاً على العنوان او ربما بعض مضمون الورقة، بل انطلق من قناعة بأن أي لقاء تحت عنوان "حماية لبنان" يفقد جزءاً من فاعليته إذا لم يكن جامعاً لكل القوى السياسية.
ويقول ناصر: "اللقاء الذي لن يكون جامعاً لن يوصل إلى النتيجة المنشودة. وإذا كنا نتحدث عن حماية لبنان، فهذا يتطلب حضور الجميع من دون استثناء لانها مسؤولية الجميع".
ويشير إلى أن التقدمي الاشتراكي يدرك أن تحقيق لقاء جامع "شبه مستحيل" في ظل الانقسام السياسي القائم، خصوصاً أن ملفات مثل السلاح والدولة وحصرية السلاح لا تزال عناوين خلافية بامتياز. إلا أنه يؤكد في المقابل أن حماية لبنان والاستقرار لا يمكن أن تتحقق إلا بمشاركة مختلف القوى، ولذلك كانت جولة رئيس الحزب تيمور جنبلاط على مختلف القوى والمرجعيات في البداية والتواصل الثنائي مع كل الأطراف السياسية دون استثناء كان بديلاً لاي لقاء لا يكون جامعا ولا يحقق الغاية المرجوة منه.
القوات والكتائب: المطلوب التنفيذ لا الحوار
على الضفة المسيحية، جاء موقف "القوات اللبنانية" و"حزب الكتائب اللبنانية" متقارباً إلى حد بعيد، إذ يعتبر الحزبان أن المدخل إلى حماية لبنان لا يمر عبر حوارات جديدة، بل عبر تنفيذ قرارات الدولة عموماً، وقرارات الحكومة في 5 و7 آب و2 آذار خصوصاً.
في السياق، يتساءل رئيس جهاز التواصل والإعلام في "القوات اللبنانية" شارل جبور: "من يدعو إلى ماذا؟"، معتبراً أنه يجب "احترام عقول اللبنانيين"، ومشيراً إلى أن الجهة الداعية إلى اللقاء هي فريق سياسي وقّع وثيقة تفاهم مع "حزب الله" عام 2006.

كذلك، يؤكد جبور أن "لبنان لم يعد يحتمل التسويف والمماطلة"، وأن المطلوب هو تنفيذ ما لم ينفذ منذ عام 1991، ويرفض مقاربة الفتنة الداخلية كأحد دوافع اللقاء، لافتاً إلى أن "الفتنة بين اللبنانيين سببها عدم نزع سلاح حزب الله"، ومشيراً إلى أن مشاركة شخصيات محسوبة على بيئة الحزب في اللقاء تعني حصول المبادرة على تغطية منه، خاصة أن القوى المشاركة في اللقاء كانت، وفق رؤيته، "جزءاً لا يتجزأ من محور الممانعة".
ويقول "لو لم يكن الحزب موافقاً عليها، لما أرسل كل الشخصيات التي تدور في فلكه"، معتبراً أن اللقاء "هدفه السياسي التسويف والمماطلة"، وأنه "يفتقد المصداقية الوطنية والسياسية".
أما الكتائب، فتؤكد أن حصر السلاح عبر تنفيذ قرارات الحكومة ومبادرة الجيش إلى تطبيقها هو المدخل الأساسي لمنع الفتنة، معتبرة أن أي حوار حول البديهيات قد يؤدي إلى تمييع مسألة الشرعية. لكنها تدعو، بعد حسم مسألة السلاح، إلى مؤتمر وطني جامع برعاية رئيس الجمهورية لا برعاية حزبية، يفتح الباب أمام مصارحة ومصالحة ووضع الهواجس السياسية والطائفية على الطاولة.
هكذا عكس لقاء "حماية لبنان" معادلة المشهد اللبناني: اتفاق على العنوان، وخلاف على الطريق. وبين من يرى في الحوار مدخلاً للحل، ومن يعتبر أن زمن البيانات انتهى وحان وقت التنفيذ، غدت مسألة "حماية لبنان" نفسها موضع خلاف!
نبض
