الجيش اللبناني... للدفاع وليس للحروب؟
الجيش اللبناني لم يُنشأ ليكون جيشاً توسعياً أو قوة هجومية تسعى إلى خوض الحروب خارج الحدود، بل هو جيش وطني دفاعي، تتمثل مهمته الأساسية في حماية لبنان وسيادته واستقلاله ووحدة أراضيه، وصون أمنه واستقراره، ضمن ما يقرره الدستور والقانون.
كلما احتدم النقاش حول دور المؤسسة العسكرية في لبنان، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل الجيش اللبناني للحرب أو للدفاع؟ وهل تتمثل مهمته في خوض المعارك الهجومية، أو أن وظيفته تقتصر على حماية البلاد؟
الإجابة لا تحمل الكثير من الالتباس، فهي موجودة في قانون الدفاع الوطني، وفي الأدبيات الرسمية الصادرة عن قيادة الجيش، ولا سيما مجلة الجيش التي تحدد بوضوح العقيدة العسكرية للمؤسسة ودورها في الدولة اللبنانية.
فالجيش اللبناني لم يُنشأ ليكون جيشاً توسعياً أو قوة هجومية تسعى إلى خوض الحروب خارج الحدود، بل هو جيش وطني دفاعي، تتمثل مهمته الأساسية في حماية لبنان وسيادته واستقلاله ووحدة أراضيه، وصون أمنه واستقراره، ضمن ما يقرره الدستور والقانون.
وتؤكد قيادة الجيش في تعريفها لمهمات المؤسسة العسكرية أن الجيش يتولى الدفاع عن الوطن في مواجهة أي اعتداء خارجي، ويحافظ على وحدة الأراضي اللبنانية، ويؤازر القوى الأمنية في حفظ الأمن الداخلي عند تكليفه بذلك، كما يشارك في عمليات الإنقاذ والإغاثة ومواجهة الكوارث الطبيعية والأزمات الوطنية.
وهذا يعني أن وظيفة الجيش لا تقتصر على القتال فقط، بل تشمل أيضاً حماية المجتمع والدولة في مختلف الظروف، إلا أن جوهر عقيدته يبقى دفاعياً، وليس هجومياً.

قرار الحرب ليس للجيش
من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الأنظمة الديموقراطية، ومنها النظام اللبناني، أن المؤسسة العسكرية لا تتخذ القرار السياسي.
فالجيش لا يقرر الحرب أو السلم، بل ينفذ ما تقرره السلطات الدستورية، وعلى رأسها مجلس الوزراء الذي يتولى رسم السياسة الدفاعية والأمنية للدولة، فيما تبقى المؤسسة العسكرية الأداة التنفيذية لهذه السياسة.
وهذا المبدأ يكرس خضوع الجيش للسلطة المدنية المنتخبة، ويمنع تحوله إلى لاعب سياسي مستقل أو جهة تقرر منفردة الخوض في مواجهة عسكرية.
العقيدة الدفاعية ضرورة
قد يتساءل البعض: لماذا تعتمد الدولة اللبنانية عقيدة دفاعية بدلاً من بناء جيش هجومي؟
الإجابة ترتبط بطبيعة لبنان نفسه.
فلبنان دولة صغيرة جغرافياً، لا تتجاوز مساحتها 10452كيلومتراً مربعاً، ويعاني منذ سنوات واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخه، وهو ما انعكس مباشرة على موازنات الدفاع، وقدرات التسليح، والصيانة، والتدريب، وحتى على الظروف المعيشية للعسكريين.
وبالتالي، فإن أي حديث عن بناء جيش هجومي ضخم أو الخوض في سباقات تسلح إقليمية يبقى بعيداً من الواقع، لأن الجيوش لا تُبنى بالشعارات، بل بالاقتصاد والصناعة العسكرية والقدرة المالية المستدامة.
جغرافيا تفرض تحديات استثنائية
يزداد هذا الواقع تعقيداً عندما ننظر إلى البيئة الإستراتيجية المحيطة بلبنان.
فعلى حدوده الجنوبية تقع إسرائيل، التي تمتلك واحداً من أكثر الجيوش تطوراً في العالم، سواء من حيث التكنولوجيا العسكرية، أو سلاح الجو، أو منظومات الدفاع الجوي، أو القدرات الاستخبارية، فضلاً عن ميزانيات دفاع ضخمة وصناعات عسكرية متقدمة.
أما شرقاً وشمالاً، فتقع سوريا، وهي دولة أكبر من لبنان بأضعاف من حيث المساحة والموارد البشرية، وقد امتلكت تاريخياً واحداً من أكبر الجيوش في المنطقة، رغم ما أصابه من استنزاف خلال سنوات الحرب.
وبين هاتين الجبهتين، يجد لبنان نفسه أمام تحديات أمنية تتجاوز كثيراً إمكاناته الذاتية، ما يجعل العقيدة الدفاعية خياراً واقعياً أكثر منها خياراً سياسياً.
لكن اعتماد الجيش اللبناني عقيدة دفاعية لا يعني إطلاقاً أنه جيش ضعيف أو عاجز.
فالعقيدة الدفاعية الحديثة تقوم على امتلاك القدرة على الردع، ورفع الجهوزية، وحماية الحدود، والتعامل مع مختلف أنواع التهديدات، بالتنسيق مع السلطات الشرعية.
وقد أثبت الجيش اللبناني خلال العقود الماضية، في مواجهة الإرهاب وعلى الحدود وفي الداخل، أنه يمتلك كفاءة مهنية عالية وقدرة كبيرة على تنفيذ المهمات الموكلة إليه، رغم محدودية الإمكانات مقارنة بجيوش المنطقة.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في طبيعة عقيدة الجيش، بل في توفير الإمكانات التي تسمح لهذه المؤسسة بتطوير قدراتها، من خلال تسليح حديث، وتدريب متطور، وموازنات مستقرة، بما يعزز قدرتها على تنفيذ المهمة التي أناطها بها الدستور.
الدولة القوية تبدأ بجيش قوي
التجارب الدولية تؤكد أن قوة الجيوش ترتبط أولاً بقوة الدولة التي تقف خلفها.
فلا يمكن دولة تعاني انهياراً مالياً ومؤسساتياً أن تمتلك جيشاً ينافس الجيوش الكبرى، كما لا يمكن مؤسسة عسكرية أن تحقق قفزات نوعية في التسليح والتكنولوجيا من دون رؤية وطنية واستثمارات طويلة الأمد.
من هنا، فإن تطوير الجيش اللبناني لا يبدأ فقط بشراء الأسلحة، بل بإعادة بناء الدولة نفسها، واستعادة عافيتها الاقتصادية، وإقرار استراتيجية دفاعية واضحة تضع المؤسسة العسكرية في قلب منظومة الأمن الوطني.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي تؤكدها النصوص الرسمية واضحة: الجيش اللبناني ليس جيشاً للحروب التوسعية، وليس مجرد قوة أمن داخلي، بل هو جيش وطني دفاعي، مهمته حماية لبنان وسيادته ووحدة أراضيه، وتنفيذ قرارات الدولة الشرعية. أما حجم قدراته وإمكاناته، فيبقى انعكاساً مباشراً لقدرات الدولة اللبنانية نفسها، لا لطبيعة رسالته أو عقيدته العسكرية.
الأكثر قراءة
إذا سلّم "حزب الله" سلاحه للدولة من خلال تفاهم داخلي، فإن ذلك لا ينتقص من وزن الشيعة، وهو يدرك أن السلاح من دون استقرار للناس في أرضهم لا قيمة له
نبض