العفو العام يعود إلى الثلاجة... التّسوية غير ناضجة بعد
لم يكن السجال الذي اندلع خلال الأيام الأخيرة بين النائب ميشال معوض ونائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب مجرد خلاف سياسي عابر، بل عكس بوضوح حجم الانقسام الذي لا يزال يطوق قانون العفو العام ويمنع انتقاله من اللجان النيابية إلى الهيئة العامة.
فالملف الذي بدا قبل أسابيع أنه يسير نحو الإقرار، عاد ليتعثر عند مجموعة من الاعتراضات السياسية والقضائية والشعبية، كان أبرزها الاعتراض على عدم شمول فئات معينة من المحكومين أو الموقوفين، بالإضافة إلى الشيخ أحمد الأسير ولا أولئك المرتبطة ملفاتهم بقضايا أمنية أو بجرائم طالت الجيش اللبناني.
وجاءت مواقف معوض لتسلط الضوء على المخاوف التي تثيرها بعض بنود القانون، بعدما اعتبر أن أي صيغة قد تفتح الباب أمام تخفيف العقوبات عن مرتكبي الجرائم الإرهابية أو الاعتداءات على الجيش تمثل مساساً بمفهوم العدالة وحقوق الضحايا. أما بو صعب فتمسك بأن النقاشات الجارية لا تستهدف تبرئة أي مدان بجرائم خطيرة، بل معالجة أوضاع إنسانية وقضائية ناجمة عن التأخير المزمن في المحاكمات وتراكم الملفات داخل السجون اللبنانية.
ورغم أن النقاش حول العفو ليس جديداً، فإن السجال الأخير كشف جانباً مختلفاً من الأزمة. فالمشكلة لم تعد تقتصر على تحديد الفئات التي يمكن أن تستفيد من القانون أو الجرائم التي يجب استثناؤها، بل باتت تتعلق أيضاً بالوسيلة الأنسب لمعالجة أوضاع مئات الموقوفين والمحكومين الذين تحوّلوا إلى عنوان أساسي في هذا الملف.

القانون لم يسقط
ورغم ارتفاع حدة السجال، تؤكد مصادر نيابية أن القانون لم يسقط من التداول، وأن التعديلات التي يجري البحث فيها لن تطاول جوهر الصيغة التي أُنجزت داخل اللجان المشتركة. إلا أن هذه المصادر تقر بأن تأمين التوافق السياسي المطلوب ما زال يحتاج إلى مزيد من الوقت، خصوصاً بعد الاعتراضات التي ظهرت داخل المجلس وخارجه.
وتشير المعلومات إلى أن غالبية الكتل النيابية باتت تميل إلى تسوية تقوم على الإبقاء على الاستثناءات المتعلقة بالإرهاب والجرائم المحالة إلى المجلس العدلي وجرائم قتل العسكريين، مقابل إدخال تعديلات تسمح بمعالجة أوضاع عدد من الموقوفين والمحكومين الذين طالت فترات توقيفهم أو محاكماتهم إطالة غير اعتيادية.
عقدة سياسية لا قانونية
عملياً، لم تعد المشكلة في النصوص القانونية بقدر ما أصبحت في القدرة على تسويقها سياسياً. فالقانون الذي يفترض أن يحقق توازناً بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات العدالة تحول إلى مادة انقسام سياسي وأخلاقي، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تنازل إضافي إلى مواجهة مفتوحة مع عائلات الضحايا وشهداء الجيش.
وتؤكد أوساط متابعة للملف أن النقاش تجاوز منذ فترة طويلة الجوانب القانونية البحتة، ليصبح مرتبطاً بحسابات سياسية وطائفية معقدة، وبمحاولة كل فريق حماية جمهوره وعدم الظهور بموقع المتساهل في الملفات الأمنية الحساسة أو الرافض لمعالجة أوضاع موقوفين أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان.
ولهذا السبب، يبدو أن إقرار العفو العام بات مرتبطاً أكثر من أي وقت مضى بإنتاج تسوية سياسية دقيقة، تسمح بتمرير القانون من دون أن يظهر وكأنه تنازل عن العدالة أو استجابة لضغوط الشارع، وهي معادلة لم تنجح القوى السياسية في إنجازها حتى الآن، ما يبقي القانون معلقاً بين ضرورات الإنصاف ومقتضيات السياسة بانتظار لحظة توافق لم تنضج بعد.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
شارك الثنائي لحظات من فرحتهما...
نبض