مدينة صور… نزوحٌ على حافة الخذلان: حين تغيب الرعاية وتنكشف الحقيقة

سياسة 01-05-2026 | 12:51

مدينة صور… نزوحٌ على حافة الخذلان: حين تغيب الرعاية وتنكشف الحقيقة

الغياب المالي تحديداً، يطرح تساؤلات حادة داخل أوساط النازحين أنفسهم: كيف تُخاض الحروب باسم هؤلاء، فيما تُترك بيئتهم من دون الحد الأدنى من مقومات الصمود؟
مدينة صور… نزوحٌ على حافة الخذلان: حين تغيب الرعاية وتنكشف الحقيقة
خلال تشييع ضحايا الدفاع المدني (أ ف ب).
Smaller Bigger

حسين سعيد

 

في صور، لا تبدو الحكاية مجرد نزوحٍ فرضته الحرب، بل صورة مكثفة لانكشافٍ قاسٍ يطال الفئات الأكثر هشاشة. هنا، تتكدس مئات العائلات التي فرت من قراها الحدودية، لا لأنها وجدت الأمان، بل لأنها لم تملك خياراً آخر. الفقر، لا القصف وحده، هو ما رسم مسار نزوحها وحدّد سقف نجاتها.

 

في المدارس التي تحوّلت قسراً إلى "مراكز إيواء"، كـمدرسة صور الرسمية الأولى ومدرسة الجعفرية، تتكدس العائلات في غرف ضيقة، بأعداد تفوق قدرتها الاستيعابية بأضعاف. لا خصوصية، لا بنى تحتية، ولا مقومات حياة كريمة. المياه تنقطع، المراحيض لا تكفي، والصرف الصحي يتسرّب ليحوّل المكان إلى بيئة خصبة للأوبئة.
لكن الأخطر من ذلك، هو الغياب شبه الكامل للرعاية الطبية. أطفال يصابون بأمراض معدية، شيوخ يواجهون أمراضاً مزمنة بلا متابعة، وحالات إسهال حاد والتهابات عينية تنتشر بلا أي تدخل جدي. لا فرق طبية ثابتة، ولا برامج وقائية، ولا حتى حد أدنى من الاستجابة لحجم الكارثة الصحية المتفاقمة. هنا، يصبح المرض جزءاً يومياً من حياة النزوح، لا طارئاً يمكن احتواؤه.

 

اقتصادياً، تبدو الصورة أكثر قسوة. معظم النازحين من العمال اليوميين والمزارعين، وقد فقدوا مصادر رزقهم بالكامل. ومع ذلك، تغيب المساعدات المالية بشكل لافت، لا سيما من الجهات التي اعتاد هؤلاء أن يعوّلوا عليها. وفي مقدمتها حزب الله، الذي يتصدر المشهد السياسي والعسكري، وحركة أمل، الشريك الأساسي في إدارة هذه البيئة.

 

هذا الغياب المالي تحديداً، يطرح تساؤلات حادة داخل أوساط النازحين أنفسهم: كيف تُخاض الحروب باسم هؤلاء، فيما تُترك بيئتهم من دون الحد الأدنى من مقومات الصمود؟ وكيف يُطلب منهم تحمّل أهوال المواجهة، في وقت تغيب فيه أبسط أدوات الدعم التي تضمن كرامتهم واستمراريتهم؟

 

الاستياء لم يعد خافتاً. بل بات واضحاً في النقاشات اليومية داخل مراكز الإيواء، حيث تتصاعد علامات الاستفهام حول جدوى هذه الحروب، وحول كلفة الخيارات الكبرى التي يدفع ثمنها من لا يملك حتى كلفة النزوح إلى مكان أكثر أماناً.

 

أما على مستوى الإدارة المحلية، فتتجه الأنظار إلى اتحاد بلديات صور، الذي يُفترض أن يكون في صلب الاستجابة. غير أن الواقع، بحسب شكاوى واسعة، يكشف عن أداء يفتقر إلى الشفافية، وتوزيع للمساعدات تحكمه المحسوبيات في كثير من الأحيان. بدل أن تكون المساعدات جسراً للعدالة، تتحول إلى مصدر إضافي للتفاوت والغبن.

 

في موازاة ذلك، تستمر المساعدات العينية بالتدفق بشكل غير متوازن: كميات كبيرة من المواد الأساسية نفسها، مقابل غياب حاجات أكثر إلحاحاً. وجبات غذائية تفتقر إلى الجودة تُرفض من قبل النازحين، فيما يُقابل اعتراضهم بلامبالاة. كأن المطلوب منهم القبول بأي شيء، لا العيش بكرامة.

 

الدولة، ممثلة بـوزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، تبدو غائبة بدورها، لكن المفارقة أن صدمة النازحين ليست منها فقط، بل من القوى التي ملأت هذا الفراغ لعقود، وقدّمت نفسها بديلاً جاهزاً. اليوم، في لحظة الاختبار، يظهر هذا البديل عاجزاً أو غائباً، تاركاً الناس في مواجهة مصيرهم.

 

في صور، لم يعد النزوح مجرد انتقال قسري من مكان إلى آخر، بل تحوّل إلى امتحان قاسٍ لكل البنى السياسية والاجتماعية التي حكمت هذه البيئة. والنتيجة التي تتكرس يوماً بعد يوم: حين تشتد الأزمات، تسقط الشعارات، ويبقى الإنسان وحيداً، يواجه الحرب… ونتائجها.

 

نازحون في المدارس.
نازحون في المدارس.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 2:25:00 PM
بدأت الإجراءات القضائية المذكورة على أثر ادعاءات وجّهها المدّعون إلى مصرف لبنان، مفادها أنه أسهم في استقطاب ودائعهم بالدولار الأميركي من خلال تطمينات مضلّلة حول سلامة الأموال وإمكانية الوصول إليها