إحياء "خلية حمد" من جديد... "التيار الوطني الحر" يُعوّض غياب "الأحباش"
لم يكن ينقص المشهد سوى وجود رستم غزالي وطيف الرئيس المخلوع بشار الأسد حتى تكتمل الصورة. هكذا بدا “اللقاء الوطني” الذي أُعلن عنه تحت عنوان "لبنان المقاوم، سيد حر مستقل"، وفق الخبر الموزّع على وسائل الإعلام. في بيانه، أكد المجتمعون "حق لبنان بالمقاومة"، وشددوا على “رفضهم القاطع لمبدأ التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي"، معتبرين أنه لا ينسجم مع مقتضيات حماية السيادة الوطنية ولا مع الثوابت والمصلحة اللبنانية العليا. ولم يكتفوا بذلك، بل أضافوا أن قراراً بهذا الحجم "لا يجوز أن يُبنى على الاستفراد أو التفرد”، لكونه من القضايا الوطنية الحساسة التي تستوجب تفاهماً شاملاً" وطبعا تناسوا ان مبدأ فتح الحروب واسنادات الدول بحاجة ايضا توافق ولا تجوز فيه الاستفراد..
لكن ما بين سطور البيان، وما بين الأسماء التي شاركت في هذا اللقاء، يبرز مشهد مختلف تماماً. كأن حفّار قبور سياسية استُدعي على عجل، فنبش من ذاكرة التسعينات ما "أكل عليه الدهر وشرب"، من شخصيات واحزاب وأعاد إحياء جثث سياسية بالكاد يتعرّف إليها حتى أبناء عائلاتها. تشكيلات ووجوه من زمن مضى، تعود اليوم بلبوس جديد، لكنها تحمل الخطاب نفسه والانتماءات نفسها، ومعها امتدادات ما يُعرف بـ"خلية حمد" التي ارتبطت تاريخياً بمحور سياسي وأمني واضح.
لمن يذكر، فإن "خلية حمد" ليست مجرد تسمية عابرة، بل تجربة سابقة ارتبطت بمواجهة لقاء قرنة شهوان في مرحلة حساسة من تاريخ لبنان، حين رُفعت السواطير في وسط بيروت، لا كرمز بل كأداة تهديد علني لكل من يعترض على نهج النظام المخلوع آنذاك. المفارقة أن مشهد الأمس يكاد يكون استنساخاً لذلك الزمن: الوجوه نفسها تقريباً، الأسلوب نفسه، والخطاب ذاته، مع تعديل طفيف في الأدوار. "الأحباش" انسحبوا بعد إعادة تموضعهم إلى جانب الدول العربية، ليحلّ مكانهم "التيار الوطني الحر" ، في تبديل شكلي لا يغيّر في جوهر الصورة، حتى ولو حفضّو تمثيلهم وارسلوا طارق الخطيب "على السكيت" لتثبيت الحضور.
الأخطر من ذلك أن هذه العودة لا تبدو مجرد حنين سياسي أو استعراض إعلامي، بل استعادة لنهج كامل. فالخلية التي دفعت في السابق بأنصارها إلى الشارع ملوّحين بالسواطير، تعود اليوم بذهنية التهديد نفسها، وإن تغيّرت الأدوات واللغة. لم يتبدّل الكثير في العمق: الراعي الإقليمي تبدّل من الوصاية السورية إلى نفوذ الحرس الثوري الأيراني، لكن المصطلحات بقيت هي نفسها، والذهنية ذاتها، والوجوه نفسها، مع تعديل بسيط يكفي لإعادة إنتاج المشهد.
الكارثة لا تكمن فقط في إعادة تدوير هذه التجربة، بل في الذاكرة التي ترافقها. فبعد نشوء تلك الخلايا وبدء عملها السياسي في الماضي، اجتاحت لبنان موجة اغتيالات سياسية بدء من الرئيس رفيق الحريري كما طالت معارضين ومفكرين وكتاباً وشخصيات عامة، وترافقت مع مرحلة من البطش وخنق الأصوات الحرة. هذه الذاكرة الثقيلة تعود اليوم لتفرض نفسها مع كل مشهد مشابه، ومع كل خطاب يعيد إنتاج تلك المرحلة، ولو بصيغة معدّلة.
من هنا، لا يبدو هذا "اللقاء الوطني" مجرد موقف سياسي في مواجهة التفاوض أو في الدفاع عن خيار المقاومة، بل أقرب إلى إعادة إحياء لنمط كامل من العمل السياسي، بكل ما يحمله من رمزية وتداعيات. وبين استحضار الماضي ومحاولة فرضه على الحاضر، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام مشهد عابر، أم أمام صفارة انطلاق جديدة لهواية أتقنها المشاركون فيه يوماً، ويدرك اللبنانيون جيداً كلفتها؟.
نبض