هل يكرّس قانون الإعلام "تعدّدية نقابية" أو يفتح "دكاكين طائفية"؟
يبدو أن مشوار قانون الإعلام الجديد لن يكون سهلاً. فكلما تأخر إقراره، بانت الكثير من الثغَر.
بالأمس، لفت موقف لنقابتي المحررين والصحافة يدعو إلى سحب المشروع من جدول الجلسة العامة التشريعية.
من أبرز البنود التي تثير الجدل وتحمل "غموضاً مشبوهاً"، مسألة إنشاء نقابات جديدة، الأمر الذي عدّه عدد من المعنيين تشريعاً لـ"دكاكين نقابية"، على غرار ما بات ضمن مهنة الإعلام من "دكاكين إعلام وصنّاع محتوى".
في البدء، كانت النقاشات تتركز على ضرورة التوجه نحو إعادة تنظيم التمثيل النقابي للإعلاميين، بحيث يصار إلى توسيعه فيشمل فئات لم تكن ممثلة سابقاً، وتحديداً العاملين في الإعلام المرئي والمسموع والإعلام الرقمي. إلا أن النقاشات رست على السماح بإنشاء نقابات جديدة.
يكشف عضو مجلس نقابة الصحافة محمد نمر الذي شارك في نقاشات درس المشروع أن "هناك محاولات واضحة في بنية مشروع القانون الجديد لتشريع نقابات هي عبارة عن دكاكين وغير منشأة في قانون".
ويشرح أن "البند 123 من القانون كان قبل تعديله في اللجان المشتركة، أكثر البنود وضوحاً لناحية إعطاء أيّ صحافي الحق في تأسيس نقابة، وهذا كان من شأنه أن يشرّع نقابات مناطقية وطائفية، ولكن نجحنا في النقابتين في إزالة هذه الجملة، وشكرنا وزير الإعلام بول مرقص على ذلك، كما أنّ نوابا تبنّوا ملاحظاتنا".

ماذا حصل بعدها؟
يوضح نمر: "في بند آخر، وتحديدا المرتبط بالهيئة الوطنية التي نعتبرها في الأساس مشروعاً هجيناً، ترد جمل فضفاضة تتحدث عن دور لنقابات أخرى. هذا الامر لن نقبل به، وسنواصل الاعتراض عليه لأنه يشرّع دكاكين لا علاقة لها بالصفة النقابية".
في المقابل، قد يرى أخرون أن هذا الأمر يوسّع التمثيل النقابي ويطوّره، بحيث لا يعود محصورا بنقابتين "تقليديتين"، وبالتالي يضمن حرية العمل النقابي.
إلا أن نمر يتخوّف من أن "نصبح أمام نقابات مناطقية وطائفية، وهذا ما يتعارض مع نقابتين اجتمعتا تحت سقف وطني واحد هو اتحاد الصحافة. فمثلما نرفض تشريع دكاكين إعلامية نعترض أيضاً على تشريع دكاكين نقابية".
"شهيّة" النقابات
هذه الضبابية في العديد من بنود المشروع الجديد تجعله مشروعاً هشاً قابلاً للنسف في أيّ لحظة. ربما الأمر لا يتعلق بمهنة الإعلام فحسب، إنما ثمة تخوّف جدي من أن يتمدّد الواقع إلى نقابات أخرى، فتفتح "شهيّة" المحامين، والمهندسين والأطباء مثلا، ونصبح أمام نقابات "مناطقية" أو "مجالس طائفية" تفتقر إلى الشرعية.
وهنا السؤال: في الأساس، لماذا هناك نقابتان للمحامين في بيروت وطرابلس، لا في زحلة وصيدا مثلاً؟ أيّ مبررات للتقسيم؟
ربما السبب يعود إلى التطور التاريخي والإداري للنقابات في لبنان أكثر منه إلى اعتبارات جغرافية أو طائفية.

يرى الخبير الدستوري الدكتور جهاد اسماعيل أن "التقسيم الثنائي لنقابة المحامين في بيروت وطرابلس، يعود إلى ارتباط هذه النقابة تاريخيا بمحاكم الاستئناف عند تأسيس المهنة، على غرار النموذج الفرنسي، بحيث كانت نقابة المحامين تنشأ في مراكز الاستئناف، لا في كل محافظة، مما يعني أن معيار تقسيم النقابة يعود إلى أسباب تتصل بهيكلية القضاء لا بمعايير جغرافية، على خلاف بقية المهن".
هذا الأمر دفع المشرّع اللبناني، وفق اسماعيل، إلى اعتماد طرابلس وبيروت نقابتين على امتداد لبنان، في قانون تنظيم مهنة المحاماة، وتحديداً في المادة الرابعة منه، إذ تسجّل في نقابة بيروت أسماء المحامين في كل المحافظات باستثناء الشمال، فيما تسجّل في نقابة طرابلس جميع أسماء المحامين المتخذين مكاتب لهم في محافظة لبنان الشمالي".
في الواقع، كانت نقابتا المحامين في بيروت وطرابلس النموذج الذي احتذته لاحقاً نقابات أخرى كالمهندسين والأطباء، ولم تنشأ نقابات إضافية في زحلة أو صيدا أو النبطية لأن القوانين سارت على هذا النموذج ولم تعدّله لاحقاً.
هكذا، فإن قانون تنظيم المهنة هو الذي يقسّم النقابات، من دون أن يفصح المشرّع عن الأسباب أو العلّة وراء ذلك.
نبض