مسارات بناء الجمهورية اللبنانية: مساهمة يوسف صادر ونشر الدستور اللبناني عام 1926
شارل الحايك، أمين أرشيف صادر الحقوقي
تصادف الثالث والعشرون من أيار 2026 الذكرى المئوية لاعتماد الدستور اللبناني وقيام الجمهورية اللبنانية، الأولى في العالم العربي. غير أن الذاكرة العامة احتفظت بالقليل من آثار هذه اللحظة التأسيسية، إذ لا يُخلّد نصبٌ عام نشأةَ الجمهورية. استثناءٌ واحد لا يزال قائماً: الشارع الرقم 54 في حي اليسوعية في الأشرفية، الذي يحمل اسم يوسف صادر، الرجل الذي أتاح للبنانيين قراءة دستورهم.
جاءت صياغة الدستور استجابةً لضرورة دولية ملزِمة؛ إذ اشترطت عصبة الأمم وضعَ نظامٍ أساسي للدولة في غضون ثلاث سنوات من الإعلان الرسمي للانتداب في أيلول 1923. في سنة 1925، كلّف المفوّض السامي الفرنسي هنري دو جوفنيل لجنةً مؤلفةً من ثلاثة عشر عضواً إعداد مشروع القانون الأساسي. وفي 1926، تولّت لجنة ثلاثية تضمّ ميشال شيحا، وبترو طراد، وعمر الداعوق، بإشراف رجال قانون فرنسيين، مهمة صياغة المسودة النهائية. أدّى شيحا في هذا الإطار دوراً محورياً، إذ صاغ المواد الجوهرية وكيّفها مع الواقع التعددي اللبناني ومعادلة تقاسم السلطة. اعتمد الدستور بموافقة المجلس التمثيلي اللبناني رغم تحفظات عدد من أعضائه ممن آثروا فكرة الوحدة مع سوريا، وتحوّلت دولة لبنان الكبير إلى الجمهورية اللبنانية.
على هذه الخلفية التأسيسية، يتبيّن الدور الذي اضطلع به يوسف صادر في إيصال الدستور إلى القارئ اللبناني في المجال العام. في تموزيوليو 1926، وفي وقتٍ قياسي بالنظر إلى إمكانات الطباعة المتاحة في بيروت آنذاك، نشر صادر النصّ الكامل للدستور في العدد السابع من "المجلة القضائية"، أولى الدوريات القانونية في المشرق، التي أسّسها عام 1921، والمحفوظة اليوم في أرشيف صادر الحقوقي.
يمثّل يوسف إبراهيم صادر (1870-1953) الجيل الثاني من سلالة صادر التي أرست حضورها في النشر والقانون منذ تأسيس المكتبة العمومية، أول مكتبة عامة في بيروت، سنة 1853، في استمراريةٍ لم تنقطع حتى يومنا هذا. أسّس المطبعة العلمية سنة 1890، وكان عضواً في محكمة ولاية بيروت العثمانية، قبل أن يغدو مرجعاً للنشر القانوني في لبنان وسوريا.
تقف وراء هذا الجهد الممتد قناعةٌ راسخة أفصح عنها صادر في مستهلّ أول أعداد مجلّته عام 1921: "لما كان واجب كل إنسان يقضي عليه أن يعلم شرائع بلاده وقوانينها ليكون على بصيرة من واجباته ونيّرة فكر من إدراك حقوقه، رأينا أن أقدس ما نخدم به المشروع الوطني كفرد من أبنائه إنما هو نشر تلك الشرائع والقوانين في كتاب جامع... ومتى عرف الوطني قوانين بلاده وشرائعها، تمكّن من التمتّع بحريته ضمن حدودها".
تخصّصت "دار صادر" في نشر قوانين لبنان وسوريا، وأدّت دوراً محورياً في جمع القوانين اللبنانية وتوثيقها وشرحها. إمتدّ نشاطها كذلك إلى الحقلين الأدبي والتاريخي، فأصدرت أعمالاً للأديب والمفكّر أمين الريحاني والمؤرخ إبراهيم بك الأسود، مساهِمةً في صوغ الحياة الثقافية في بدايات الجمهورية اللبنانية. ويُشكّل أرشيف صادر الحقوقي اليوم مستودعاً من المصادر الأولية حول التأسيس القانوني والدستوري للجمهورية، مفتوحاً أمام الباحثين والمؤرخين المعنيين بدراسة هذه الحقبة.
في المئوية الأولى للجمهورية، حين تتعرّض أسسها مجدداً للمساءلة، يستعيد مشروع يوسف صادر أهميته كاملةً: نشر القانون وتعميمه فعلٌ مدني في صميم بناء الدولة، والمعرفة القانونية شرطٌ أوّلي لأي حرية حقيقية.
نبض