ملايين الأطنان من الركام في لبنان: أين تذهب أنقاض الحرب؟
بملايين الأطنان تُقدَّر كميات الركام الناتجة عن حرب 2024 في لبنان، مع تقديرات رسمية تشير إلى نحو 22 مليون طن في مختلف المناطق المتضررة، بينها ما بين 2 و3.9 ملايين طن في الضاحية الجنوبية لبيروت وحدها، بحسب تقرير صادر عن المجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS) نُشر في 23 كانون الأول/ديسمبر 2024، أي بعد أقل من شهر على وقف إطلاق النار آنذاك.
هذا، عدا عمّا خلّفته الحرب الأخيرة. ولا تأتي هذه الأرقام بمعزل عن سياق أوسع من التحديات المرتبطة بإعادة الإعمار، حيث يُطرح ملف الركام كأحد أبرز الملفات البيئية واللوجستية الأكثر تعقيداً. فماذا يحدث فعلاً على الأرض؟ ومن يدير ويراقب ملف الردم؟
بحسب هيثم بزي، المدير الإقليمي للأشغال العامة في الجنوب، فإن "قرار التعامل مع الردم يُتخذ في مجلس الوزراء، الذي يكلّف جهات تنفيذية مختلفة بحسب المناطق. ففي عام 2024، أُسندت إلى مجلس الجنوب مهمة إزالة الردم في جنوب لبنان، بينما تولّت الهيئة العليا للإغاثة إدارة الملف في بيروت والبقاع والضاحية الجنوبية. أما وزارة الأشغال، فيقتصر دورها على فتح الطرقات وإزالة العوائق، من دون أن تكون مخوّلة قانونياً إزالة الردم".
ويشرح بزي لـ"النهار" أن عملية إزالة الردم تخضع لإجراءات قانونية دقيقة، تتطلب موافقة مالكي العقارات أنفسهم عبر استمارات يوقّعها جميع المالكين في المبنى، إضافة إلى توقيع رئيس البلدية ومهندس مجلس الجنوب، باعتبار أن القانون يمنع إزالة الردم من دون موافقة أصحاب الملكيات.
ما الذي يحدث فعلياً على الأرض؟
في شباط/فبراير 2025، وضعت الحكومة لائحة تضم 42 موقعاً مؤقتاً لاستقبال الركام، في إطار تنظيم عملية التجميع والمعالجة الأولية.
وفي 25 يونيو/حزيران 2025، أُطلق مشروع "برنامج المساعدة الطارئة للبنان" (LEAP) المموَّل من البنك الدولي بقيمة أولية تبلغ 250 مليون دولار ضمن إطار قد يصل إلى مليار دولار، بهدف دعم التعافي وإعادة تشغيل البنى التحتية الحيوية.
ويتألف المشروع من أربع مكوّنات رئيسية، من بينها الاستجابة الفورية، عبر تمويل إجراءات عاجلة لضمان الجهوزية للتعافي، وتشمل إدارة الردم بشكل آمن ومنظّم ضمن مقاربة تهدف إلى إعادة إدخال نحو 70% من الركام إلى الاقتصاد الدائري عبر إعادة الاستخدام أو التدوير، مقابل عزل 30% من المواد الخاملة.

ورغم وجود إطار تنظيمي، تكشف المعطيات أن إعادة التدوير لم تُنفَّذ فعلياً. فبحسب هيثم بزي، "يتم في بعض الحالات الاتفاق مع وزارة البيئة على نقل الردم إلى مواقع محددة، مع إعطاء المتعهدين الحق في استخراج الحديد وبيعه، إذ يتم احتساب سعر للمتر المكعب، فيما يُترك الحديد للمتعهدين".
لكن النتيجة العملية، كما يوضح، هي أن "المتعهدين يقومون بكسر الباطون لاستخراج الحديد، بينما يتم نقل ما تبقى من الركام إلى المكبات أو التخلص منه بطرق مختلفة. وفي بعض الحالات، يُستخدم الركام في مشاريع تعبيد طرق زراعية، حيث يُفرش على الأرض كطبقة تقوية بدلاً من معالجته. وفي حالات أخرى، يُرمى مباشرة في المكبات. أما في الضاحية الجنوبية، فقد تم نقل الردم إلى بحر الكوستا برافا، حيث جرى ردم أجزاء بحرية ضمن مشروع توسعة مكب النفايات".
في المقابل، تنفي مصادر وزارة البيئة ما يتردد حول "ردم أي شيء في البحر"، مشيرةً إلى انه "لم يتم بعد تنفيذ أي عملية إعادة تدوير أيضاً، لكن هذا الأمر مُخطط له ومتوقّع، لأن ركام الحرب السابقة لا يزال قيد المعالجة، ومشروع LEAP بدأ للتو".
في السياق، يوضح رئيس اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية المهندس محمد درغام أن الحكومة اللبنانية، خلال عهد حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ووزير البيئة ناصر ياسين، اتخذت عام 2024 قراراً بتوسعة الكوستابرافا وإنشاء خلية ثالثة، مشيراً إلى أن إنشاء الحاجز المائي الخاص بالمشروع احتاج إلى نحو مليون ونصف مليون متر مكعّب من الردميات.
ويقول "أُجريت دراسة أثر بيئي للردميات الناتجة عن الأبنية المدمّرة، حيث جرى فرزها داخل عقار تابع لبلدية المريجة رقمه 338 بإشراف استشاريين هندسيين، قبل إخضاعها للفحوص اللازمة، بعدها وافق الاستشاري التابع لدار الهندسة على استخدام هذه المواد في ردم أرض الكوستابرافا، لا في البحر، باعتبارها صالحة لهذه الأعمال".
إلا أن التّجارب السابقة، خصوصاً بعد حرب تموز 2006، أظهرت أن طمر الركام بشكل عشوائي في مكبات مثل الناعمة والكوستابرافا أدى إلى تداعيات بيئية طويلة الأمد، من دون اعتماد نظام معالجة متكامل، ما يعزّز المخاوف لدى المواطنين والخبراء من أن ما لم تدمّره القذائف والغارات قد يُدمَّر بصمت عبر التلوث والأمراض، وأن من لم يمت بالحرب قد يموت بالسّرطان.
وعلى الرغم من تعدّد الخطط والمشاريع ووجود تمويل دولي هذه المرة، إلا أن إدارة هذا الملف لم تشهد حتى اليوم شفافية كاملة أو نظام رقابة فعال، فيما لا تزال الممارسات على الأرض تتراوح بين الطمر والتأجيل. ويبقى السؤال كيف تعوّل وزارة البيئة على تنفيذ مشروع LEAP فيما تمّ طمر ركام حرب الـ2024 أو بيعه؟
نبض