تمثال الشهداء في وسط بيروت: من مرثية حزن إلى أيقونة حرّية
في قلب بيروت حيث تختلط الذاكرة بالحاضر، تقف ساحة الشهداء مرآة لتاريخ لبنان الحديث، وفي وسطها تمثالٌ ليس مجرّد نصبٍ برونزي، بل شهادة حيّة على قرنٍ كامل من التحوّلات، من العثمانيين إلى الانتداب، ومن الاستقلال إلى الحرب، وما تبعها من صراع سياسي شمل الاغتيالات والتظاهرات والاعتصامات، وأشكال أخرى من الصراع التي ترافق شعب لبنان حتى يومنا هذا.
من "بساتين فخر الدين" إلى "ساحة الشهداء"
لم تكن الساحة في بداياتها سوى فضاءٍ خارج أسوار المدينة، عُرف بـ"بساتين فخر الدين"، حيث اختار الأمير فخر الدين المعني الثاني في القرن السابع عشر أن يبني قصرا على الطراز التوسكاني، محاطا بحدائق واسعة. لكن هذا الفضاء لم يبقَ على حاله. ففي القرن الثامن عشر، حوّله أحمد باشا الجزار إلى موقع عسكري حيث أقيم برج مراقبة، ومنه جاءت تسمية "ساحة البرج". ومع تعاقب القوى، تبدّلت الأسماء من "ساحة المدفع" بعد قصف الروس للبرج عام 1773، ثم "ساحة الاتحاد" و"ساحة الحرية" إثر الثورة الدستورية العثمانية عام 1908.
6 أيار 1916: المكان ضمير قضية
في عامي 1915 و1916، تحوّلت الساحة إلى مسرحٍ للموت والاستشهاد، حين أصدر الحاكم العثماني جمال باشا أوامره بإعدام نخبة من المثقفين والسياسيين، بعد محاكمات صورية جرت في عاليه. في صباح 6 أيار 1916 علّقت المشانق، وسقطت الأجساد، ولكن وُلدت في المقابل ذاكرة جديدة. منذ ذلك اليوم لم يعد المكان مجرّد ساحة، بل صار ضمير قضية. وبعد انتهاء الحكم العثماني، ترسّخ اسم "ساحة الشهداء" ليصبح التاريخ محفورا في اسم المكان نفسه.
يوم الشهادة ومعنى الوطن
لا يمكن فهم تمثال الشهداء من دون التوقف عند 6 أيار، الذي أصبح عيدا رسميا في لبنان وسوريا. هذا اليوم لا يُختصر بالإعدام، بل يتجاوز الحدث إلى المعنى لحظة الانتقال من الخضوع إلى الوعي، وصولا إلى فكرة الوطن. تميّز الشهداء بأنهم لم يكونوا من طائفة واحدة ولا من خط فكري واحد، فشكّلت دماؤهم رواية وحدة وطنية مبكرة، سبقت قيام الدولة نفسها.

تمثال الحزن: تجربة يوسف الحويك
عام 1930، جاء أول تجسيد بصري لهذه الذاكرة عبر تمثال النحات يوسف الحويك. صوّر امرأتين، مسلمة ومسيحية، تنحنيان فوق جرة رماد، في مشهد أقرب إلى مرثية جماعية. كان العمل انعكاسا لمرحلة حداد، لكنه لم يعبّر عن طموح لبنان الصاعد. وبمرور الوقت، بدا أن التمثال لا يعكس روح النهوض، بل يكرّس الانكسار. وعام 1948، تعرّض التمثال لاعتداء رمزي على يد سامي سليم، وهو أستاذ جامعي كسر أنف تمثال إحدى السيدتين احتجاجا على معناه.
مرحلة كميل شمعون
في منتصف الخمسينيات، وفي عهد الرئيس كميل شمعون، حاولت الدولة إعادة تعريف الرمز. أُطلقت مسابقة فاز بها المهندس اللبناني سامي عبد الباقي عام 1956، مقدّما مشروعا طموحا يتضمّن قوسا ضخما ومسلة وشعلة أبدية. لكن أحداث 1958 والانقسام السياسي حالا دون تنفيذ المشروع، ليبقى الحلم معلقا بين الطموح والواقع.
مارينو ماتزاكوراتي
عام 1960، وفي عهد الرئيس فؤاد شهاب، تم الانتقال إلى خيار جديد مع تكليف النحات الإيطالي مارينو ماتزاكوراتي تنفيذ تمثال يعكس روح النهوض. هذا التمثال لم يكن بكاءً، بل إعلانا: امرأة في الوسط ترمز إلى الحرّية، ترفع مشعلا، وتضع يدها على شاب يستنهضه، بينما يحيط بها شهيدان سقطا في وضعية توحي بالانبعاث.
الحرب: التمثال جريحاً
مع اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975، تحوّلت الساحة إلى خط تماس، أصيب التمثال بمئات الرصاصات، واخترقت القذائف جسده البرونزي، وبُترت أجزاء منه. في تلك اللحظة، لم يعد يروي فقط قصة شهداء 1916، بل أصبح هو نفسه جزءا من مأساة لبنان.
الترميم: الذاكرة لا تُمحى
عام 1996، نُقل التمثال إلى جامعة الروح القدس الكسليك لترميمه، ضمن عملية أشرفت عليها الدولة اللبنانية، بدعم وتمويل من "سوليدير". كان يمكن إعادة صقله بالكامل، لكن القرار كان مختلفا في إبقاء ثقوب الرصاص، وعدم إعادة الأجزاء المبتورة. لم يكن القرار تقنيا، بل فلسفيا، أن يبقى الجرح ظاهرا، لأن الذاكرة لا تُمحى.
عودة التمثال
عام 2004، عاد التمثال إلى مكانه في وسط بيروت. لم تكن مجرد عملية نقل، وكأن المدينة تستعيد جزءًا من روحها. عاد التمثال، ولكن ليس كما كان، بل يحمل آثار قرنٍ كامل من الألم والذاكرة. لكنّ تمثال الشهداء لم يبقَ أسير ذاكرة الماضي، بل تحوّل في العقود الأخيرة إلى شاهدٍ حيّ على أكثر المراحل سخونةً في تاريخ لبنان الحديث.
فمنذ 2005، ومع اغتيال الرئيس رفيق الحريري، عادت ساحة الشهداء لتكون قلب الحدث الوطني، حيث احتشد اللبنانيون أمام التمثال، وارتفعت الأصوات مطالبةً بالحرية والسيادة والاستقلال. هناك، وقف قادة سياسيون، أدّوا قَسَماً أمامه، ودفعوا حياتهم لاحقاً ثمناً لمواقفهم، فيما شهد التمثال على ولادة حركة 14 آذار التي أعادت رسم المشهد السياسي.
لكنه شهد أيضاً على عمق الانقسامات، من التظاهرات الحاشدة إلى خيم الاعتصام التي غيّرت وجه وسط بيروت، وعلى تحوّل الساحة من رمز وحدة إلى ساحة تجاذب. ومع السنوات، بقي التمثال ثابتاً في مكانه، يراقب حراك 17 تشرين والاعتداءات التي تعرّض لها، ويختزن صدمة انفجار مرفأ بيروت، ويتابع موجات النزوح والخوف الناتجة من الحروب المتكررة، التي دخلها "حزب الله" إسنادًا لغزة وإيران.
وهكذا، صار التمثال شاهداً على صراعات ممتدّة منذ عقود... يقف بجسده المثقوب كأنه يلخّص حكاية وطنٍ لا يزال يبحث، رغم كل شيء، عن خلاصه وحرّية أبنائه. اليوم، لا يمكن النظر إلى تمثال الشهداء كقطعة فنية فقط. إنه كتاب مفتوح، يروي قصة العثمانيين والمشانق، يختزن حلم الاستقلال، ويحمل جراح الحرب اللبنانية والصراعات السياسية التي تلت هذه الحرب.
هو المكان الذي حملَ كل تناقضات لبنان، الوحدة والانقسام، الحياة والموت، الذاكرة والنسيان. في النهاية، لا يقف تمثال الشهداء في ساحة بيروت رمزا جامدا، بل شبه كائنٍ حيّ. جسده مثقوب، لكنه واقف. ماضيه مؤلم، لكنه حاضر. وكما في 6 أيار، حين سقطت الأجساد وبقيت الفكرة، يبقى التمثال اليوم تذكيرا بسيطا وقاسيا في آن واحد، بأن الأوطان لا تُبنى إلا بذاكرةٍ لا تُمحى، وأن الحرّية، مهما طال الزمن، تبدأ دائما من تضحية.
نبض