آلية بديلة لليونيفيل بقيادة أميركية ومشاركة دولية محددة
مع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) نهاية عام ٢٠٢٦، تتجه الأنظار إلى مستقبل الأمن في جنوب لبنان، في ظل تصاعد المواجهات بين إسرائيل و"حزب الله" وتزايد الضغوط الدولية لإعادة صياغة آليات الضبط والرقابة على الحدود. وبينما تتباين مواقف الأطراف المعنية ، من الأمم المتحدة إلى أوروبا، ومن الولايات المتحدة إلى إسرائيل ولبنان، يبقى الهدف المعلن لدى معظمها هو نفسه: تعزيز سيادة الدولة اللبنانية ونزع سلاح "حزب الله"، رغم أن تحقيق هذا الهدف يبدو أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
تشير مصادر غربية إلى أن واشنطن والقدس تعتبران أن أي تدخل خارجي يجب أن يُحتوى ويُنسّق معه بدقة، بهدف حماية الهدف الأساسي المتمثل في نزع سلاح الحزب سواء وافقت الأمم المتحدة وأوروبا على الانضمام إلى آلية محدودة تقودها الولايات المتحدة ام لا فإن على الولايات المتحدة واسرائيل احتواء أي تدخل خارجي والتنسيق معه بشكل وثيق، ما يعكس إدراكاً إسرائيلياً - أميركياً بأن المرحلة المقبلة تتطلب ضبطاً دقيقاً للفاعلين الدوليين.
نهاية اليونيفيل… دون فراغ أمني؟
اعتمد مجلس الأمن القرار ٢٧٩٠ الذي يمدد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة، على أن تنسحب القوة الدولية خلال عام من انتهاء ولايتها في كانون الاول - ديسمبر ٢٠٢٦. ورغم المخاوف التي أثيرت حول "فراغ أمني" محتمل، يشدد نص القرار على أن فعالية اليونيفيل كانت موضع شك منذ عقود، وأن وجودها الميداني لم ينجح في منع انتشار سلاح "حزب الله" أو ضبط الحدود بشكل فعلي.
بل إن الدور الأكثر أهمية لليونيفيل وفق المصادر - التنسيق بين الأطراف - تم استبداله فعلياً بآلية تقودها الولايات المتحدة منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني نوفمبر ٢٠٢٤: "الميكانيزم". "وقد تم بالفعل استبدال الدور الأهم لليونيفيل… من خلال الآلية التي تقودها الولايات المتحدة"، ما يعني أن الانسحاب لن يغيّر كثيراً في الواقع العملياتي.
تحولات ميدانية ودبلوماسية
استئناف "حزب الله" هجماته في اذار مارس الماضي، بالتزامن مع الحرب الإيرانية، أدى إلى تغييرات ميدانية مهمة. فقد أعلنت إسرائيل فرض سيطرتها الأمنية جنوب نهر الليطاني، وإنشاء منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات داخل لبنان. وفي الوقت نفسه، انطلقت محادثات دبلوماسية غير مسبوقة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، أفضت إلى وقف إطلاق نار مؤقت وجهود لتعزيز فرص السلام.
لكن رغم هذه التطورات، يستمر القتال على الأرض، ما يعكس هشاشة أي ترتيبات أمنية في ظل بقاء سلاح "حزب الله" خارج سيطرة الدولة اللبنانية.
تباين في الرؤى الدولية
وتقول المصادر بعد انسحاب اليونيفيل، تسعى الحكومة اللبنانية إلى الحفاظ على دعم خارجي - يفضل أن يكون أممياً - لتقاسم المسؤولية عن القرارات الصعبة المتعلقة بنزع السلاح. الأمم المتحدة بدورها ترغب في الحفاظ على نفوذها عبر مكتب المنسق الخاص (UNSCOL) ومجموعة المراقبين (OGL)، لكن أي تفويض جديد سيحتاج إلى موافقة أميركية، ما يجعل مستقبل دورها غير مضمون.
وتضيف ان أوروبا، خصوصاً فرنسا وإيطاليا، تبحث إرسال بعثات مستقلة، لكن نجاح أي مبادرة يتطلب تنسيقاً مع واشنطن وتل أبيب، إضافة إلى موافقة بيروت. أما حلف الناتو، فاحتمال تدخله ضعيف بسبب انشغاله بالتهديد الروسي.
وتتابع ان إسرائيل، من جهتها، تفضّل تقليص الوجود الدولي إلى الحد الأدنى، وتعارض بشدة أي دور أممي جديد، معتبرة أن الأمم المتحدة منحازة ضدها. وهي تفضّل التنسيق المباشر مع الجيش اللبناني برعاية أميركية.
وتختم أما "حزب الله"، فيرفض وجود قوات أجنبية عندما تكون فعالة. أما عندما تكون ضعيفة مثل اليونيفيل، فهي تمنحه غطاءً وحماية، بل ومكاسب اقتصادية.
التحدي الأكبر: نزع السلاح
يتفق معظم الفاعلين باستثناء "حزب الله" وفق المصادر على ضرورة تعزيز قوة الجيش اللبناني واحتكار الدولة للسلاح. لكن الخلاف يكمن في كيفية تحقيق ذلك. فالحكومة اللبنانية أطلقت تصريحات جريئة، لكنها لم تُترجم إلى خطوات عملية، بسبب ضعف القدرات العسكرية، وانقسام القرار السياسي، وخشية الصدام الداخلي.
وتعتبر المصادر أن المساعدة الأجنبية يجب أن تركز على تدريب وحدات لبنانية متخصصة في نزع السلاح ومكافحة الإرهاب وضبط الحدود، مع استخدام أدوات ضغط سياسية واقتصادية لدفع بيروت إلى اتخاذ خطوات أكثر جدية. لكن الدعم يجب أن يكون محدوداً ميدانياً، حتى لا يتحول إلى غطاء جديد يستفيد منه الحزب.
وتستنتج المصادر ان الآلية التي تقودها الولايات المتحدة أثبتت فعاليتها في التنسيق بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، وهي مرشحة لتكون الإطار الجامع لأي دور دولي بعد انسحاب اليونيفيل. ويمكن توسيعها لتشمل الأمم المتحدة والدول الأوروبية، مع التركيز على مهام محددة مثل الهندسة، نزع السلاح، اللوجستيات، المساعدات الإنسانية، والعمليات الجوية.
وتقترح مشروعاً تجريبياً لتدريب وتجهيز وحدة نخبة لبنانية مخصصة لمهام نزع السلاح.
كما تشير إلى إمكانية استلهام نموذج القوة متعددة الجنسيات في سيناء، التي دعمت معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية منذ ١٩٨٢، بفضل قيادتها الأميركية، وغياب التسييس الأممي عنها.
وترى المصادر أن نجاح أي ترتيبات مستقبلية في لبنان يتطلب قيادة أميركية، وتنسيقاً وثيقاً بين الأطراف، ومشاركة دولية محدودة وفعّالة، بعيداً عن البيروقراطية الأممية. كما يدعو إسرائيل إلى تحسين تعاملها مع موظفي الأمم المتحدة، لتجنب الإضرار بمكانتها الدولية.
في المحصلة، تقدم المصادر رؤية واضحة: مستقبل الأمن جنوب لبنان لن يُبنى على استمرار اليونيفيل، بل على آليات جديدة أكثر فعالية، تقودها الولايات المتحدة، وتشارك فيها أطراف دولية بمهام محددة، بهدف واحد: دعم الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها ونزع سلاح "حزب الله".
نبض