عودة لبنان إلى البيت الأبيض: سلام معلّق على حافة الواقع

لبنان 24-04-2026 | 17:30

عودة لبنان إلى البيت الأبيض: سلام معلّق على حافة الواقع

الحديث عن لقاء بين عون ونتنياهو يبقى حتى الآن في إطار الضغط السياسي أكثر منه خطة قابلة للتنفيذ...
عودة لبنان إلى البيت الأبيض: سلام معلّق على حافة الواقع
من اجتماع لبنان وإسرائيل في البيت الأبيض (أ ف ب).
Smaller Bigger

نادراً ما يترأس رئيس الولايات المتحدة لقاء يتناول الملف اللبناني بهذا الشكل المباشر. ما جرى في البيت الأبيض برعاية دونالد ترامب لا يمكن قراءته فقط على أنه جولة تفاوضية بين سفيرين، بل إشارة سياسية ثقيلة: لبنان عاد إلى صلب دوائر القرار في واشنطن، بعد سنوات من الإهمال أو الاكتفاء بإدارة الأزمات من بعيد.

 

في الشكل، بدا المشهد ديبلوماسياً تقنياً: تمديد لوقف النار بين لبنان وإسرائيل. ولكن في المضمون، كان هناك ما هو أبعد بكثير. جلوس الرئيس الأميركي شخصياً إلى طاولة هذا الملف يعكس انتقاله من مستوى "الإدارة الروتينية" إلى مستوى "الأولوية السياسية"، وهو أمر لم يحظَ به لبنان منذ سنوات طويلة، بعدما تراجع حضوره في الأجندة الأميركية لمصلحة ملفات أكثر إلحاحاً في المنطقة.

 

هذا التحول يحمل دلالتين متناقضتين. فمن جهة، هو فرصة نادرة للبنان ليحجز موقعاً متقدماً في الحسابات الدولية، بما قد يفتح الباب أمام ضمانات سياسية وأمنية وربما اقتصادية. ومن جهة أخرى، هو إدخال مباشر له في قلب لعبة التوازنات الكبرى، بما يحمله ذلك من ضغوط وشروط قد تفوق قدرته على التحمل.

في هذا السياق، لم يكتفِ ترامب بإعلان تمديد الهدنة، بل ذهب أبعد، متحدثاً عن "فرصة كبيرة للسلام هذا العام"، ومتوقعاً لقاء قريباً بين رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. غير أن هذا التصعيد في الطموح السياسي يصطدم سريعاً بوقائع لبنانية معقّدة، تجعل أيّ مسار سلام أكثر تعقيداً مما توحي به التصريحات.

 

العقدة الأساسية تبقى داخلية قبل أن تكون خارجية. فالدولة اللبنانية التي تفاوض وتلتزم، لا تحتكر قرار الحرب والسلم. هنا يبرز دور "حزب الله"، الذي أعلن رفضه أي تفاوض مباشر أو مسار سلام، وهو في الوقت نفسه الطرف الذي يمتلك القدرة العسكرية الفعلية على الأرض. هذا الواقع يجعل أي التزام رسمي عرضة للاهتزاز، ويحوّل التفاهمات الدولية إلى رهينة التوازنات الداخلية.

 

دونالد ترامب يتوسط الوفدين اللبناني والإسرائيلي في البيت الأبيض (إكس).
دونالد ترامب يتوسط الوفدين اللبناني والإسرائيلي في البيت الأبيض (إكس).

 

توازيا، حملت تصريحات ترامب بعداً إقليمياً واضحاً، مع دعوته إيران إلى وقف تمويل "حزب الله". هنا يتضح أن إدخال الملف اللبناني إلى البيت الأبيض لا ينفصل عن مقاربة أوسع للصراع في المنطقة، حيث يتحول لبنان إلى ساحة ضمن معادلة أكبر بين واشنطن وطهران، لا إلى ملف مستقل بذاته.

 

أما مواقف أركان الإدارة الأميركية، من ماركو روبيو إلى جاي دي فانس، فقد عكست مستوى عالياً من التفاؤل وصل إلى حد الحديث عن إمكان تحقيق سلام خلال أسابيع. إلا أن هذا الخطاب، وإن كان يهدف إلى دفع المسار التفاوضي، يصطدم بتجارب سابقة في المنطقة حيث غالباً ما تتقدّم التصريحات على الوقائع.

 

في قراءة أعمق، يمكن اعتبار ما جرى محاولة أميركية لإعادة الإمساك بالملف اللبناني، ليس فقط لمنع الانفجار على الجبهة الجنوبية، بل لفرض مسار سياسي طويل يبدأ من التهدئة ولا ينتهي عندها. أما الحديث عن لقاء بين عون ونتنياهو، فيبقى حتى الآن في إطار الضغط السياسي أكثر منه خطة قابلة للتنفيذ.

 

وسط كل ذلك، يقف لبنان أمام مفارقة قاسية: فرصة نادرة لأن يكون في قلب القرار الدولي، مقابل واقع داخلي منقسم، وسلطة منقوصة، وسلاح خارج إطار الدولة. هذه المفارقة لا تعرقل فقط مسار السلام، بل تضع البلاد أمام اختبار صعب: هل يمكن تحويل الاهتمام الأميركي إلى مكسب فعلي، أو أنه سيتحول إلى عبء إضافي أو حرب أهلية؟

 

تبدو عودة لبنان إلى طاولة البيت الأبيض تطورا لا يمكن التقليل من أهميته، لكنها عودة محفوفة بالتحديات. فحين يصبح بلد هشّ جزءاً من أولويات القوة الأكبر في العالم، لا يسأل فقط عمّا يمكن أن يجنيه، بل عمّا يُطلب منه أيضاً.

 

وهنا، يتجاوز السؤال فكرة السلام في ذاته، ليصل إلى جوهر الأزمة: هل يملك لبنان القدرة على مواكبة هذا المستوى من الانخراط الدولي، أو أن كلفة ذلك ستكون أكبر من قدرته على الاحتمال؟

الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
تحقيقات 4/25/2026 6:00:00 AM
في عيون العائلة، تختصر الحكاية كلّها. وجع صامت، ودموع تسبق الكلام. رنا، الأم والزوجة، التي كانت تضجّ حياةً، صارت اليوم ذكرى مثقلة بالفقد.