بين "لا" حركة "أمل" وصمت بري... توزيع أدوار أو انتظار لحظة التفاوض؟
في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، تقدّم حركة "أمل" موقفها بوضوح حادّ رافض أي تفاوض مباشر مع إسرائيل، فيما اختار رئيس مجلس النواب نبيه بري الصمت.
مشهد يوحي ظاهريا بتباين، لكنه في العمق يعكس انسجاماً كاملاً ضمن توزيع أدوار محسوب، وخصوصاً مع اقتراب الاستحقاق التفاوضي المرتقب في واشنطن.
بيان هيئة الرئاسة في الحركة لم يأتِ في سياق عابر، بل شكل تثبيتاً لخط سياسي واضح: رفض التفاوض المباشر تحت النار، والتمسك بمقاربة تقوم على تنفيذ القرارات الدولية بدل فتح مسارات سياسية جديدة. هذا الموقف تلاقى سريعاً مع تصعيد سياسي موازٍ عبّر عنه النائب قبلان قبلان، الذي شدد على أن "المبادئ ليست غبّ الطلب"، والموقف من التفاوض "ثابت" في مواجهة العدوان، في إشارة واضحة إلى رفض أي انزلاق نحو تسويات تُفرض تحت الضغط.
ولم يكتفِ قبلان بذلك، بل ذهب أبعد في رسم سقف سياسي مرتفع، محذّراً من أن أيّ سلطة تفاوض إسرائيل من دون عناصر قوة داخلية ووحدة وطنية تضع نفسها في موضع المساءلة، ومشدداً على أن أيّ تسوية تمسّ السيادة مرفوضة بالكامل.
هذا التصعيد لا يمكن قراءته خارج كونه امتداداً مباشراً لموقف "أمل"، لا خروجاً عنه.
أما صمت بري، فلا يبدو حياداً ولا تمايزاً، بل هو أقرب إلى تموضع محسوب. فالرجل الذي يقود الحركة ويشغل في الوقت نفسه موقعاً دستورياً حساساً، يدرك أن لحظة التفاوض تحتاج إلى مساحة مناورة لا توفّرها اللغة التصعيدية. لذلك، تُترك للحركة مهمة إعلان "اللا" الصريحة، فيما يحتفظ هو بدور "الضابط السياسي" الذي يمكن أن يتدخل عند تبدل الظروف.
المفارقة أن هذا التوزيع يأتي تزامناً مع تطور لافت: التحضير للقاء الأول على مستوى السفراء في واشنطن بين لبنان وإسرائيل للبحث في وقف النار وإطار التفاوض، وهو ما يفسّر جزئياً التشدد العلني من جهة، والصمت المدروس من جهة أخرى.
في هذا السياق، تشير المعطيات إلى أن بري لا يختلف فعلياً مع موقف الحركة، بل يتبناه بالكامل، انطلاقاً من ثلاث ثوابت: رفض التفاوض المباشر، والتمسك بتنفيذ القرار الدولي القائم، ورفض أي مسار تحت الضغط العسكري. لكن الفارق يكمن في طريقة التعبير، لا في المضمون.
الأرجح أن بري ينتظر ما ستؤول إليه المحطة المفصلية المقبلة، وتحديداً الاجتماع المرتقب في واشنطن بين السفيرة اللبنانية ونظيرها الإسرائيلي برعاية أميركية. فإذا كرّس هذا اللقاء مساراً تفاوضياً مباشراً، سيجد نفسه أمام ضرورة الخروج بموقف واضح، إما لتغطية المسار بشروط، وإما لضبطه بسقف سياسي يمنع الانزلاق إلى تسوية غير مقبولة داخلياً.
حتى ذلك الحين، يبدو المشهد محكوماً بمعادلة دقيقة: "أمل" ترفع السقف وتقول "لا"، وبري يراقب بصمت، لا ليعارضها، بل ليبقي الباب نصف مفتوح… في انتظار لحظة تُفرض فيها الكلمة الفصل.
نبض