كورنيش المزرعة في قلب بيروت... شهادات من قلب الرعب
لم تكن الضربة التي استهدفت كورنيش المزرعة مجرّد خبر عاجل يُضاف إلى شريط طويل من الأخبار القاسية، بل كانت لحظة انكشفت فيها هشاشة الحياة اليومية، حين تحوّلت الطرقات المألوفة إلى مسرح للصدمة، والوجوه العادية إلى شهود على الرعب.
في هذا التقرير المصوّر، لا تُروى الحكاية بلغة الأرقام، بل بأصوات الناس الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب الحدث. أشخاص خرجوا من بيوتهم كأي يوم عادي، يحملون تفاصيلهم الصغيرة: موعد مع طبيب، زيارة صديق، أو حتى مرور عابر في الشارع قبل أن تنقلب اللحظة إلى مشهد لا يُنسى.

سيدة من سكان المنطقة كانت في طريقها لإجراء فحوصات طبية، تتحدّث بارتباك واضح عن لحظة الانفجار: عن الدخان الكثيف، صراخ الناس، والزجاج المتناثر في كل مكان. تصف ما رأته بكلمة واحدة تتكرّر على لسانها: "مرعب". لم تكن تعرف كيف تعود، فقط عادت إلى الوراء، كما لو أن الغريزة وحدها تقودها بعيداً عن الخطر.
رجل آخر، من سكان بيروت، لم يكن في منزله لحظة الاستهداف، لكنه عاد مسرعاً عندما سمع الخبر. لم يبحث عن ممتلكاته أولًا، بل عن وجوه يعرفها: أصدقاء، جيران، أصحاب محالّ اعتاد رؤيتهم يومياً. في ذاكرته، لم يكن المكان مجرد شارع، بل شبكة علاقات حيّة: محل الزهور، مصلّح البرادات، الجيران المسنّون… كلهم تحوّلوا فجأة إلى مصدر قلق وخوف.

وفي رواية أخرى، شاب يروي كيف فقد وعيه لحظة الضربة. كان يسير في الشارع، قبل أن يسقط أرضاً تحت وقع الانفجار. لا يتذكّر الكثير، فقط ومضات: صوت قوي، ضربة على الرأس، ثم العتمة. استيقظ لاحقًا في الدفاع المدني، بعدما نُقل من المكان، بينما كان آخرون يحاولون إسعاف الجرحى وسط الفوضى.

شهادة أخرى تختصر المشهد: "ما عشنا الليلة". عبارة بسيطة، لكنها تحمل كل ما لا يُقال. ليلٌ مرّ من دون نوم، من دون استيعاب، من دون قدرة على استيعاب الخسارة. فقط دعاء للضحايا، وذهول لا يزال مستمراً.
ورغم اختلاف القصص، يجتمع الجميع على شعور واحد: العجز. "ماذا يمكننا أن نفعل؟" سؤال يتكرّر، يقابله جواب وحيد: الصلاة والدعاء.

كورنيش المزرعة، أحد أكثر شوارع بيروت حيوية، بدا في هذا التقرير مكاناً مثقلاً بالصدمة. الناس يتفقدون بعضهم البعض، يحصون ما تبقّى من ممتلكاتهم، ويحاولون ترميم ما يمكن ترميمه... ليس فقط في الجدران، بل في الداخل أيضاً.
نبض