سجن رومية يُعيد ملف العفو العام إلى الواجهة بين الضغط الشعبي والانقسام السياسي
شهد سجن رومية احتجاجات على خلفية بدء تسليم موقوفين سوريين إلى بلدهم، مقابل استمرار المراوحة في ملف السجناء اللبنانيين، حيث طالب المحتجون بإقرار عفو عام، وعمدوا إلى إحراق الفرش في عدد من المباني داخل السجن، في مشهد أعاد تسليط الضوء على هذا الملف المزمن.
وترافقت هذه الحادثة مع تحرك لعدد من النواب السنّة الذين تقدموا باقتراح قانون للعفو العام، يقضي بتسوية شاملة لعدد كبير من الملفات القضائية عبر إسقاط الملاحقات والأحكام عن الجرائم المرتكبة قبل صدوره، بحيث يشمل مختلف المتورطين من فاعلين وشركاء ومحرّضين، ويلغي مفاعيل الوثائق الأمنية والقضائية المرتبطة بها. إلا أنّ هذا العفو ليس مطلقاً، إذ يستثني الجرائم الخطيرة، وفي مقدّمها القتل العمد، والجرائم المحالة على المجلس العدلي، في محاولة للموازنة بين طيّ صفحة قضائية واسعة والحفاظ على سقف من المحاسبة في القضايا الحساسة.
وفي موازاة ذلك، تكثفت اللقاءات السياسية، فاجتمع النواب المعنيون مع نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب، وشملت الاتصالات رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس الجمهورية جوزف عون، في مسعى إلى دفع الملف قدماً وطرحه سريعاً على اللجان المشتركة تمهيداً لإقراره في الهيئة العامة.
وفي هذا الإطار، كشف النائب بلال الحشيمي، أحد مقدّمي اقتراح القانون، لـ"النهار"، أن اللقاء مع بو صعب كان "ممتازاً"، وشهد نقاشاً مطوّلاً حول صيغة يمكن أن تكون مقبولة لدى مختلف الأطراف، مشيراً إلى موافقة الحاضرين على معظم الطروحات. وشدّد على أن الملف يحتاج إلى توافق مع جميع القوى السياسية، لافتاً إلى أن النائب علي حسن خليل الذي شارك في جزء من اللقاء، طلب مهلة لعرض ملاحظات فريقه.
وأكد الحشيمي أن رئيس الجمهورية لا يبدي أيّ اعتراض على مبدأ العفو، ناقلاً عنه قوله: "مطرح ما في دم ما حدا يقرب عليه"، في إشارة واضحة إلى رفض أي عفو عن المتورطين في قتل اللبنانيين، ولا سيما العسكريين وعناصر القوى الأمنية والمدنيين.
واعتبر أن هناك خيارات أخرى يمكن اللجوء إليها، مثل تقصير الأحكام أو خفض السنوات السجنية، مشيراً إلى أن هناك أشخاصاً في السجون يستحقون إعادة النظر في أوضاعهم. وأضاف أن الاكتظاظ الكبير في السجون يفرض تحركاً سريعاً، خصوصاً مع نقل سجناء من الجنوب، فضلاً عن ضرورة مراجعة أحكام المحكمة العسكرية التي وصفها بالمسيّسة، والتي كانت خاضعة لهيمنة "حزب الله"، داعياً إلى إعادة النظر فيها سريعاً، وكذلك في ملفات مثل "وثائق الاتصال" التي استُخدمت، بحسب قوله، أداة ضغط سياسي.
وختم الحشيمي بالتأكيد أن "لا أحد يريد العفو عن قتلة الجيش كما يُشاع، لكن المطلوب رفع الظلم بطرق عادلة".
في المقابل، لا يزال التوافق السياسي بعيد المنال. فحزب الكتائب يرفض مبدأ العفو العام الشامل، ويدعو إلى التعجيل في المحاكمات وتحسين ظروفها كبديل، وهو موقف يلاقيه فيه كل من "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية"، مع طرح توسيع المعالجة لتشمل أيضاً اللبنانيين المبعدين إلى إسرائيل. أما الحزب التقدمي الاشتراكي، فيرى أن الملف لم يُطرح حتى الآن من زاوية إنسانية وحقوقية، بل من منطلق مذهبي وطائفي، ما يجعل الاتفاق عليه مستبعداً في الظروف الحالية، ما لم يُعد تصويبه على أسس مختلفة.
توازيا، تتنامى وجهة نظر تطالب بعدم انتظار إقرار العفو العام، والعمل فوراً على مراجعة أحكام المحكمة العسكرية، ولا سيما في قضايا الإرهاب. ويؤكد أصحاب هذا الطرح أن العديد من الأحكام صدرت على نحو عشوائي أو مسيّس، وطالت مجموعات، خصوصاً في الشمال وطرابلس، اتُهمت بقتال الجيش خلافاً للواقع، إذ كانت في حينه تساند المعارضة السورية.
ويقرّ هؤلاء بإمكان وقوع اشتباكات محدودة مع الجيش، لكنها لم تصل إلى حد القتل أو إسقاط ضحايا، معتبرين أن التعميم في الاتهامات كان ظالماً. ويشيرون إلى أن بعض الأحكام صدرت على خلفية شبهات أو مواقف تتعلق بالمعارضة السورية، في وقت تغيّرت فيه المعطيات، وباتت الأطراف التي كانت تعتبر معارضة هي السلطة اليوم، ما يسقط، في رأيهم، مبررات تلك الأحكام ويستدعي إعادة المحاكمة.
ويذهب هذا الفريق أبعد، معتبرا أن متهمين كثرا بقتال الجيش لا تنطبق عليهم هذه التهمة، وأن قرارات المحكمة العسكرية كانت في كثير من الأحيان سياسية تُفصّل وفق الضغوط.
في ضوء كل ذلك، يبدو أن ملف العفو العام لا يزال عالقاً بين ضغط الشارع وتعقيدات السياسة، فيما تتزايد الدعوات إلى مقاربة شاملة تعيد الاعتبار إلى العدالة، من دون التفريط بحقوق الضحايا أو تحويل القانون إلى أداة تسوية ظرفية.
نبض