سلامة لـ"النهار": العمليات الإسرائيلية لا ترقى إلى غزو واسع والتفاوض صورة عن ميزان القوى (فيديو)
في خضمّ الحرب المفتوحة على أكثر من جبهة، يقدّم وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة قراءة شاملة لمسار الحرب في لبنان والمنطقة، واضعاً نهايتها في معادلة مزدوجة تجمع بين الميدان والسياسة.
لبنانياً، يستبعد سلامة أن يكون التفاوض بين لبنان وإسرائيل قريباً، معتبراً أن عناصره الأساسية لا تزال غير مستقرة: "لا إطار واضحاً للمحادثات، ولا مستوى محدّداً للتمثيل، ولا جدول أعمال نهائياً، ولا سقف للنتائج، ولا حتى مكان انعقاده". ويشير إلى أن "الإسرائيليين يحاولون إظهار عدم اكتراثهم بالمسار التفاوضي، إلا أن تكليف رون ديرمر يعكس اهتماماً فعلياً، وإن كان غير مستعجل، بانتظار تحسين موقعهم الميداني قبل الانخراط الجدّي".
المقابلة كاملة في الفيديو
في موازاة ذلك، يلفت إلى غموض هوية الوسيط، إذ "يطرح الفرنسيون أفكاراً بعضها مقبول، فيما يتجاوز بعضها الآخر ما ورد في طرح رئيس الجمهورية، فيما يبدو الاهتمام الأميركي محدوداً، من دون أن يعني ذلك قدرتها على تجاهل المبادرة اللبنانية".
ويؤكد سلامة أن السقف اللبناني لا يزال محكوماً بمبادرة رئيس الجمهورية، التي ترتكز على وقف النار، وتعزيز قدرات الجيش، ومعالجة مسألة السلاح غير الشرعي، وبدء مسار تفاوضي لتنفيذ هذه البنود. أما ما يُطرح عن اعتراف أو تطبيع، فيندرج، بحسب قوله، في "إطار اجتهادات خارجية لا تعكس مضمون الورقة اللبنانية، التي لا تحدد مسبقاً النتيجة النهائية للمفاوضات، ولا تنفيها".
يرى سلامة أن "كل الحروب تنتهي بالتفاوض"، لكن هذا التفاوض لا يأتي في فراغ، بل يُبنى على ميزان القوى لحظة انعقاده، فـ"ما سيكون عليه الميدان يوم التفاوض سيؤثر في طبيعته ونتائجه"، مشيراً إلى أن العامل الحاسم لا يقتصر على الداخل اللبناني، بل يرتبط أيضاً بنتائج الحرب الكبرى الدائرة في الخليج، حيث تتداخل الأطراف نفسها في النزاعين، ما يجعل انعكاساتها على لبنان "قوية جداً".

المسار الدستوري للتفاوض
وعن تشكيل وفد تفاوض لبناني، يذكّر سلامة بأن المسار الدستوري واضح ولا يحتمل الاجتهاد: رئيس الجمهورية هو من يتولى التفاوض وفق المادة 52 من الدستور، بالتفاهم مع رئيس الحكومة، قبل أن يُعرض أي اتفاق على مجلس الوزراء للموافقة، ثم يُحال إلى مجلس النواب لإقراره. ويؤكد أن هذا المسار "لم يُستكمل بعد"، وأن ملف التفاوض لم يصل بعد إلى طاولة مجلس الوزراء فعلياً.
يُميّز سلامة بين موقفه الشخصي ورأي الحكومة. فهو ينتقد "الانزلاق العميق إلى الطائفية الذي بات يخنق الكفاءات ويعطّل عمل الدولة"، لكنه يقرّ بأن الواقعية السياسية تفرض حضور التمثيل الشيعي، في أي مسار تفاوضي، وفق منظور الحكومة.
ويشير إلى أن مبادرة رئيس الجمهورية لا تزال في بداياتها، إذ لم يمضِ عليها سوى وقت قصير، مضيفاً: "الحروب تتطلب مباحثات حول المباحثات، ونحن لا نزال في هذه المرحلة الاستطلاعية".
دولياً، يلفت إلى حراك فرنسي سريع لمواكبة المبادرة اللبنانية، تخلّلته أفكار جديدة لم تحظَ بإجماع داخلي، مقابل اهتمام أميركي "لم يتخذ بعد طابعاً رسمياً". ويؤكد أن الدور الأميركي الحالي يقتصر على ملفات محددة تهمّ الاستقرار المباشر، مثل أمن المطار، فيما "لا يظهر تدخل مباشر يومي في مسار الحرب الدائرة"، معتبراً أن هناك "ضوءاً أصفر" أميركياً يُمنح لإسرائيل مع بعض القيود، من دون انخراط يشبه ما يجري في الخليج.
عمليات قضم… لا غزو واسع
ميدانياً، لا يرى سلامة أن العمليات الإسرائيلية الحالية ترقى إلى مستوى غزو برّي واسع، بل يصفها بأنها "تقدّم محدود وبطيء"، لا يتجاوز في كثير من الأحيان أمتاراً أو كيلومترات قليلة على طول الخط الأزرق.
ويقول إن ما يجري هو "عمليات قضم" مع وجود تعزيزات عسكرية، لكن من دون مؤشرات إلى خطة اجتياح واسع حتى شمالي الليطاني. ويضيف: "قد تكون هناك رغبة في توسيع العمليات شرقاً وتعميقها شمالاً، لكن ضمن عمليات محدودة حتى الآن". ولا يستبعد أن تتحوّل هذه العمليات لاحقاً إلى غزو، مشيراً إلى وجود تعبئة احتياطية، "لكننا لم نشهد بدء هذا المسار بعد".
في المقابل، يحذّر من تحوّل استراتيجي أخطر يتمثّل في عودة إسرائيل إلى فكرة "المنطقة العازلة"، لكن بصيغة مختلفة تقوم على تدمير منهجي للقرى ومنع أي وجود سكاني فيها، خلافاً لما كان قائماً في السابق. ويذكّر بأن هذه الفكرة كانت قد سقطت سابقاً، قبل أن تعود إلى الواجهة بعد أحداث 7 أكتوبر، كما يظهر في تجارب غزة وسوريا.
لا ضمانات… وخطر على البنية التحتية
في ما يتعلق بالضمانات الدولية لعدم استهداف إسرائيل البنى التحية اللبنانية، يوضح سلامة أن الديبلوماسية لا تقدّم ضمانات مطلقة، بل "محاولات ووعوداً"، مشيراً إلى أنه يسمع تهديدات إسرائيلية متكررة باستهداف منشآت حيوية، "وهو أمر يجب أخذه على محمل الجد".
ويؤكد أن لبنان يضغط عبر الدول الصديقة لمنع الانزلاق نحو استهداف البنية التحتية، ولا سيما المطار، "لكن لا توجد ضمانات صلبة".
السلم الأهلي
رغم ارتفاع حدّة الخطاب السياسي والإعلامي، لا يبدي سلامة قلقاً جدياً على السلم الأهلي، مشيراً إلى وجود "تضامن وتآخٍ كبيرين لا يعكسهما الإعلام"، رغم تسجيل بعض التوتر في أماكن محددة.
ورداً على سؤال حول خطاب "حزب الله" المهاجم للحكومة، يشير إلى أن الأخيرة طلبت من الجيش معالجة جزء من سلاح "حزب الله"، من دون التطرّق إلى مسألة العناصر أو القيادات، فيما جاء رد الفعل الرسمي على إطلاق الصواريخ انطلاقاً من اعتبار أن "إدخال البلاد في الحرب من دون قرار الدولة أمر غير قانوني".
ويشدد على أن حرية الرأي "مقدسة"، لكنه يأسف لتحوّل بعض الخطاب إلى تهديدات، داعياً إلى استعادة الاعتدال.
إيران تراهن على الوقت
يرى سلامة أن إيران تخوض هذه الحرب على أساس "الرهان على الوقت"، مستفيدة من خبرتها في الحروب الطويلة، مستحضراً تجربة الحرب العراقية-الإيرانية، في مقابل صعوبة تحمّل المجتمعات الغربية لحروب ممتدة. ويعتبر أن الضربة الأولى كانت قاسية على إيران، إلا أنّ مرور الوقت قد يكشف نقاط ضعف في الاستراتيجية الأميركية-الإسرائيلية، ولا سيما في ظل غياب هدف واضح ومحدد للحرب. ويضيف أن الإيرانيين يعتقدون أن الوقت إلى جانبهم، وقد تحضّروا لهذه المواجهة منذ أشهر، متسائلاً عمّا إن كانت الولايات المتحدة أبلغت حلفاءها وعبّأتهم كما يجب، أم هي، مع إسرائيل، اعتقدت بإمكان إنهاء الحرب سريعاً. ويشير في هذا السياق إلى أن الإدارة الأميركية تبدو اليوم كأنها تستدرج تدخلاً أوروبياً للمساهمة في فتح مضيق هرمز، الذي أُقفل عملياً بفعل ارتفاع كلفة التأمين عليه.
وفي هذا الإطار، يلفت إلى أن طهران تسعى إلى نقل المواجهة إلى مستوى الاقتصاد العالمي، معتبراً أن ما يجري هو "حرب إيران على الاقتصاد العالمي"، من خلال الضغط على مضيق هرمز وأسعار النفط، واستهداف مصالح مرتبطة بالاقتصاد الدولي، ما يضع دول الخليج في قلب المعادلة. ويؤكد أن الدول الخليجية "لن تنسى ما جرى"، لكنها قد تعيد صياغة علاقاتها مع إيران لاحقاً وفق ميزان القوى بعد انتهاء الحرب.
ويشدد على أن ضرب دول الخليج يشكّل جزءاً من مشروع أوسع لضرب الاقتصاد العالمي، ولا سيما عبر أدوات النفط والنقل الجوّي والتجارة الدولية، معتبراً أن من غير الدقيق القول إن إيران تستهدف فقط قواعد عسكرية أميركية، إذ إن الهدف يتعدّى ذلك إلى إضعاف اقتصادات دول الخليج نفسها. ويضيف أن دول الخليج ترى أنها بذلت جهداً لتجنّب الحرب، ولن تنسى ما تعرّضت له، لكنها في الوقت نفسه "دول عاقلة" ستتعامل لاحقاً مع ميزان القوى الجغرافي كما هو، وفق سلامة.
نبض