بين الآلة والإبداع البشري... كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي صناعة الموسيقى في تونس؟

تحقيقات 10-08-2026 | 06:32

بين الآلة والإبداع البشري... كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي صناعة الموسيقى في تونس؟

في جولة بسيطة على منصات التواصل الاجتماعي، يمكن العثور على عشرات الأغاني التراثية التونسية التي أعيد توزيعها أو إعادة غنائها بأصوات مولدة رقمياً، بإيقاعات حديثة تستهدف جيلاً جديداً من المستمعين.
بين الآلة والإبداع البشري... كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي صناعة الموسيقى في تونس؟
صورة تعبيرية- يد تعزف على لوحة مفاتيح MIDI رقمية (pexels).
Smaller Bigger

قبل أيام، وبينما كانت ألسنة اللهب تلتهم مساحات واسعة من غابات تونس، كانت الفنانة التونسية منال عمارة تبحث عن وسيلة مختلفة لتوجيه رسالة توعوية إلى الأطفال بشأن مخاطر الحرائق والتغير المناخي. أدركت أن الكاميرا وحدها لن تكون كافية أو قادرة على إنجاز فكرتها. فقد كانت الفنانة التونسية بحاجة لتصوير مشاهد تنتمي إلى عالم الخيال السحري القادر على جذب الأطفال. تقول إنه كان من الصعب، بل من المستحيل تنفيذها على أرض الواقع باستعمال الأساليب التقليدية للتصوير. لذلك اختارت اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي لإنجاز كليب أغنيتها الجديدة التي حملت عنوان "يويو"، والتي اختارت أن يخرج بالكامل في قالب كرتوني.

 

وفي وقت وجدت عمارة في الذكاء الاصطناعي حلاً لتنفيذ أغنيتها طبقاً لرؤيتها الخاصة، فإن تجربتها لا تمثل سوى جانب واحد من قصة أكبر يعيشها الوسط الفني في تونس.

 

في الأعوام الأخيرة، تنامى استعمال الذكاء الاصطناعي في المشهد الفني التونسي ليتحوّل إلى مادة لنقاش واسع بين الفنانين. فبينما يرى البعض منهم أنه أصبح أداةً تفتح آفاقاً جديدة للإبداع، ينظر إليه آخرون على أنه تهديد جدي للإبداع والحقوق الفكرية والأدبية في ظلّ تطور متسارع للتكنولوجيا مقابل غياب قوانين وتشريعات تواكبه.

 

من وسيلة إلى لاعب رئيسي

خلال السنوات الأخيرة، لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي يقتصر على تجارب معزولة، فقد أصبح حاضراً في الإنتاج الموسيقي، وتصميم الأغلفة، وكتابة الكلمات، وإعادة توزيع الأغاني، وحتى في صناعة الأصوات والصور.

 

وفتح هذا التحول المتسارع نقاشاً واسعاً داخل الوسط الفني التونسي. فبينما يرى البعض منهم أنه أصبح أداةً تفتح آفاقاً جديدة للإبداع، ينظر إليه آخرون على أنه تهديد جدي للإبداع وللحقوق الفكرية والأدبية في ظل تطور تكنولوجي متسارع مقابل غياب قوانين وتشريعات تواكبه.


رغم نجاح تجربتها، ترفض منال عمارة اعتبار الذكاء الاصطناعي بديلاً للفنان. وتقول في تصريح لـ"النهار" إن هذه التكنولوجيا مكنتها من تجسيد أفكار ومشاهد كان تنفيذها شبه مستحيل بالوسائل التقليدية، مضيفة أنها استطاعت بناء عالم بصريّ يخاطب الأطفال ويوصل رسالتها بشأن التغير المناخي بصورة أكثر تأثيراً.

 

لكنها تشدد على أن الذكاء الاصطناعي "مجرد وسيلة"، مؤكدة أن الفكرة والإحساس والرؤية الإبداعية تظل من صنع الإنسان.

 

الفنانة التونسية منال عمارة
الفنانة التونسية منال عمارة

 

 

أغنيات تولدها التكنولوجيا

لم يعد أثر الذكاء الاصطناعي مقتصراً على الفيديو كليبات، بل امتد إلى الموسيقى نفسها.

 

فبجولة بسيطة على منصات التواصل الاجتماعي، يمكن العثور على عشرات الأغاني التراثية التونسية التي أعيد توزيعها أو غناؤها بأصوات مولدة رقمياً، وبإيقاعات حديثة تستهدف جيلاً جديداً من المستمعين.

 

واللافت أن بعض هذه الأعمال حققت ملايين المشاهدات، بل تفوقت في انتشارها في أحيان كثيرة على النسخ الأصلية.

 

ومن أبرز الأمثلة أغنية "سواد الغيم" التي لاقت انتشاراً واسعاً داخل تونس وخارجها، وحصدت ملايين المشاهدات على منصات الموسيقى الرقمية العالمية مثل "سبوتيفاي". 

 

تعالج الأغنية قضية التلوث البيئي في مدينة قابس، وقد استعان صاحبها الشاعر حسان ثابت بأدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاجها فحققت انتشاراً واسعاً محلياً وعربياً. 

 

ومثل منال عمارة، اختار الفنان صابر الرباعي أن تكون عودته الفنية بعد فترة غياب طويلة نسبياً عبر اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي، إذ طرح أغنيته الجديدة "تحت الياسمينة"، معتمداً في تصوير كليبها على هذه التقنيات، في مؤشر إلى أن التقنية لم تعد حكراً على الفنانين الشباب أو التجارب المستقلة.

 

 

منافسة شرسة

لكن هذا التحول السريع يثير مخاوف متزايدة داخل الوسط الفني.

فكلما تطورت أدوات الذكاء الاصطناعي، ازدادت صعوبة التمييز بين العمل الذي ينتجه الإنسان، وذلك الذي تصنعه الخوارزميات، وهو ما يفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بالأصالة والملكية الفكرية، بل حتى بإمكانية انتحال أصوات الفنانين وصورهم.

 

ويرى الفنان التونسي لطفي بوشناق أن الخطر لا يقتصر على المجال الفني. وفي تصريح خاص لـ"النهار"، يقول إن الذكاء الاصطناعي "لا يهدد الفنان وحده، بل الإنسان في مختلف المجالات"، معتبراً أن التكنولوجيا التي يفترض أن تدعم الإبداع قد تتحول إلى عامل يضعفه إذا استعملت بلا ضوابط.

 

وبالرغم من هذه المخاوف، لا يرفض الفنان التونسي استعمال الذكاء الاصطناعي بشكل مطلق، إذ يرى أنه في الإمكان استعماله من خلال الاستفادة من تقنياته، مثل التوزيع الموسيقي أو تحسين جودة الإنتاج، لكنه يشترط أن تبقى الكلمات والألحان والصوت نتاجاً للإبداع البشري.

 

ويقول: "لا أمانع في استخدام الذكاء الاصطناعي في التوزيع الموسيقي مثلاً، لكن يجب أن يكون الغناء والتلحين والكلمات من إبداعي".

 

الفنان التونسي لطفي بوشناق
الفنان التونسي لطفي بوشناق

 

 

بالنسبة إلى بوشناق، كما عمارة، فإن السبيل الوحيد لمواجهة هذا التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي في المشهد الفني هو الاستثمار أكثر في الإبداع البشري، لأن "الإبداع الإنساني لا يضاهيه أيّ إبداع آخر"، وفق قوله. 

 

يًذكر أن لطفي بوشناق كان ضحية حملة تشويه قبل أشهر بعد تداول محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي نسب إليه، وهو ما دفعه للتوجه إلى القضاء.

 

"فن بلا روح"

الرؤية ذاتها يتبناها ماهر الهمامي، نقيب الفنانين التونسيين، الذي يكشف أنه خاض بنفسه تجربة إنتاج أغنية بالذكاء الاصطناعي، لكنه خرج بانطباع حاسم. ويقول لـ"النهار": "كانت النتيجة عملاً بلا روح". 

 

ويضيف أن الذكاء الاصطناعي يستطيع تقليد الإيقاع والشكل، لكنه يعجز عن نقل المشاعر التي تمنح الأغنية صدقها وقيمتها، معتبراً أن موجة الأعمال المولّدة آلياً قد تكون "موضة" ستفقد بريقها تدريجياً مع تشابه الأغاني المولدة بالتكنولوجيا التي يعتبر أنها مستنسخة إلى حد كبير.

 

ويقول: "ستكون هذه الأعمال مكررة، وستفقد زخمها مع الوقت".

 

 

فراغ تشريعي مقلق

أكبر مصدر للقلق - بحسب الهمامي - لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، وإنما في الفراغ القانوني الذي يرافق انتشارها المتنامي.

 

ويطالب نقيب الفنانين بتحديث القوانين المتعلقة بالملكية الفكرية لحماية الفنانين من استغلال أصواتهم وصورهم وأعمالهم دون إذن.

 

نقيب الفنانين التونسيين ماهر الهمامي
نقيب الفنانين التونسيين ماهر الهمامي

 

ويتفق بوشناق مع هذا الطرح، مؤكداً أن التشريعات الحالية لم تعد قادرة على مواكبة السرعة التي تتطور بها تقنيات الذكاء الاصطناعي، داعياً إلى وضع إطار قانوني واضح يحفظ الحقوق المادية والأدبية للمبدعين.


في المقابل، يدعو عدد من المتابعين إلى تجاوز النظرة التي تضع الفنان والذكاء الاصطناعي في مواجهة مباشرة.

 

عملية فرز داخل المشهد الفني

ترى منال عمارة أن مستقبل الفنان لن تحدّده التكنولوجيا؛ وفي تقديرها أن قدرته على التجديد والإبداع ستلعب دوراً كبيراً في حسم هذه المنافسة، وتوضح بأن "على الإنسان أن يواصل الإنتاج والإبداع حتى يظل متقدّماً على الآلة. 

 

بدورها، ترى الناقدة والصحافية كريمة وسلاتي أن السؤال لم يعد اليوم حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيعوض الفنان أم لا، بل كيف يمكن للفنان أن يحافظ على قيمته في عصر تستطيع فيه الروبوتات إنتاج الأغاني والصور والنصوص خلال ثوان معدودة.

 

وتقول لـ"النهار" إن المنافسة لم تعد بين الفنانين وحدهم، بل أصبحت أيضاً بين الفنان والتكنولوجيا. لكنها تؤكد أن الغلبة ستظل لمن يمتلك رؤية فنية وهوية خاصة وتجربة إنسانية لا تستطيع الآلة محاكاتها بالكامل.

 

 

الناقدة والصحافية كريمة وسلاتي
الناقدة والصحافية كريمة وسلاتي

 

لكن المتحدثة لا تعتقد أن المستقبل سيكون للآلة وحدها، وتشدّد على أن الفنان الذي يعرف كيف يُحول الذكاء الاصطناعي إلى شريك في العملية الإبداعية سيكون هو المنتصر في هذه المنافسة الشرسة.

 

وترى وسلاتي أن السنوات المقبلة ستشهد عملية فرز داخل المشهد الفني؛ وفي تقديرها ستشهد الأعمال التي يغلب عليها التكرار والقوالب الجاهزة تراجعاً ملحوظاً، لأن هذه التكنولوجيا قادرة على إنتاج عدد كبير منها بسرعة أكبر وتكلفة أقلّ. في المقابل، سيكون للفنان الذي يمتلك رؤية خاصة وهوية فنية وتجربة إنسانية مختلفة لا تستطيع الخوارزميات محاكاتها بالكامل مكانة خاصةً لا يمكن لأيّ آلة أن تعوضها.

 

أما بخصوص الانتشار الواسع للأغاني المعاد إنتاجها أو توزيعها بالذكاء الاصطناعي في تونس، وفي صدارتها الأغاني التراثية، فتقول الوسلاتي إن ذلك لا يعكس الواقع ولا يعني أن الجمهور هجر ما يقدّمه الفنان.

 

وتشرح الظاهرة مؤكدة أن هذا الاقبال يعكس رغبة لدى الجمهور، خصوصاً الشبابي، في إعادة اكتشاف التراث بلغة موسيقية تناسب العصر.

 

وتعتبر المتحدثة أن هذه الظاهرة تبعث رسالة إلى الفنانين تؤكّد أن من لا يواكب أدوات العصر قد يجد نفسه خارج دائرة الاهتمام.

 

لكنها في المقابل تعتبر أن التحدي الأخطر ليس تقنياً، بل قانوني وأخلاقي، وترى أن غياب إطار تشريعي واضح ينظم استخدام أعمال الفنانين في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي قد يقود إلى سوق ثقافية يفقد المبدعون فيها حقوقهم المادية والأدبية لصالح محتوى غير مكلف مولد بالذكاء الاصطناعي.

 

وبين حماس منال عمارة وتحذيرات لطفي بوشناق يُقبل المشهد الفني التونسي على مرحلة جديدة بمقاييس ولغة مختلفتين، إذ لم تعد المعركة بين أجيال فنية ومدارس موسيقية متنافسة، بل بين الإنسان والآلة، وبين الإبداع بوصفه روحاً واحساساً، والإنتاج بوصفه عملية توليد. 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
شمال إفريقيا 8/10/2026 7:38:00 AM
جريمة قتل مزودجة بين سيارة وشقة سكنية تودي بحياة أسرة من 4 أفراد في مصر!
ايران 8/9/2026 7:53:00 AM
نشرت وكالة "مهر" فيديو غير مؤرخ لمجتبى خامنئي يظهر فيه بصحة جيدة، بعد تقارير إسرائيلية تحدثت عن وجوده في "حالة حرجة للغاية" ونقله إلى المستشفى.
كشف تقرير لـ"نيوزويك" أن هاني حنجور، قائد الطائرة التي استهدفت البنتاغون في هجمات 11 أيلول، أجرى رحلات عدة في أجواء واشنطن قبل الهجوم للتعرف إلى المجال الجوي للمنطقة.