وُلدت في السّجن وتحلم بهويّة... حكاية جويس التي تبحث عن أمل للأطفال (فيديو)
خلف قضبان سجن بعبدا للنساء، وبين زنزانات تضم عشرات السجينات، فتحت جويس (مطران لكن لم تصدر هويتها بعد) عينيها للمرة الأولى على الحياة. لم يكن صراخها الأول في غرفة ولادة داخل مستشفى، ولا بين أفراد عائلتها كما هي حال معظم الأطفال، بل بين جدران السجن الباردة، حيث كانت والدتها تقضي عقوبتها بتهمة تعاطي المخدرات. وُلدت من علاقة غير شرعية، لأمّ رفضتها منذ اللحظة الأولى، وأبٍ لا تعرف هويته.
أمضت جويس أشهرها الأولى بين أيدي السجينات اللواتي احتضنّها، إلى جانب المرشدة الروحية هدى التي كانت تزور السجن باستمرار لتقديم الدعم الروحي للنزيلات، لكن سرعان ما وجدت جويس نفسها أمام مصير أكثر قسوة، بعدما قررت النيابة العامة نقلها إلى أحد المياتم في زحلة، إثر تخلي والدتها عنها ومحاولتها بيعها مقابل مبلغ من المال لإحدى صديقاتها.
خوف صديقة والدتها جعلها تلجأ إلى النيابة العامة لتسليم الطفلة، لتنتهي بذلك أولى فصول حياة جويس، وتبدأ رحلة جديدة من داخل أحد المياتم، وسط هوية مزيفة وحقيقة خفيت عنها لسنوات، ولم تنكشف إلا بعد ثلاثة عشر عاماً.
صفعة قاسية
على طريق زحلة شرق لبنان، حيث تلتقي أشعة الشمس بنسمة باردة، فيما تكسر المساحات الخضراء رتابة الإسمنت، يخرج صوت جويس في وضح النهار من منزل جميل ومتواضع. وبين ظلال الماضي وأمل الغد، بدأت جويس تروي قصتها بكل تفاصيلها القاسية لتصل إلى حلمها الذي تبنيه بدموع العين والرجاء وبضحكة لا تخفت.
لا تحتفظ جويس بالكثير من الذكريات عن طفولتها الأولى. كل ما بقي في ذاكرتها مشاهد مبعثرة من حياة كانت تُدار وفق نظام صارم. تقول لـ"النهار" "كنت أعيش مع أم وأطفال آخرين، وكان كل شيء في يومنا محدداً؛ موعد الطعام، والنوم، واللعب".
ومع مرور السنوات، أدركت أنها خرجت من سجن لتدخل، بصورة مختلفة، إلى سجن آخر. ففي الميتم، وجدت نفسها تتحمل مسؤولية أطفال أصغر منها كانوا ينادونها بـ"ماما"، فيما كانت هي تشتاق إلى أن تنطق بهذه الكلمة لشخص يحتضنها ويمنحها معنى الأمومة التي حُرمت منها منذ ولادتها.
عاشت جويس في مكان لم يخبرها يوماً بحقيقة هويتها. كبرت في أحد المياتم وهي تؤمن بأن المرأة التي تولّت تربيتها هي والدتها، إلى أن انهار هذا اليقين دفعة واحدة وهي في الثالثة عشرة من عمرها.
كانت تعيش كذبة مخفية قبل أن تعرف أنها طفلة مكتومة القيد، والدها مجهول الهوية ووالدتها تخلت عنها ولا تعرف عنها شيئاً. في عمر الـ13 عاماً، تروي جويس كيف اكتشفت تلك الحقيقة خلال مشادة كلامية "عيرتني بأمي"، كانت صدمة قاسية، كنتُ أظن فعلاً أن المرأة التي ربتني هي أمي ".
لم تتحمل جويس قساوة ما اكتشفته، صفعة قوية جعلتها كما تصف تشعر "أنني إنسانة غير مرغوبة في هذه الحياة". ذلك الشعور بالرفض قادها إلى مرحلة قاتمة من حياتها. فقدت، كما تصف، أي سبب للاستمرار، وحاولت إنهاء حياتها أكثر من مرة.

خرجت جويس وفي ذهنها أحلام بسيطة
غير أن هذه النهاية التي بدت وشيكة تحولت إلى بداية مختلفة. فقد عادت المرشدة الروحية هدى لزيارتها في الميتم، لتفتح أمامها نافذة جديدة على الحياة. ورغم أن الطريق أمامها ظل غامضاً، فإنها وجدت للمرة الأولى من يمدّ لها يداً ويمنحها شعوراً بأنها ليست وحيدة.
غادرت جويس طفولتها وهي تحمل في داخلها غضباً متراكماً وأسئلة بلا إجابات. لم تكن تعرف من العالم سوى جدران الميتم، حيث كبرت وسط معاملة تصفها بالقاسية، ومحبة شعرت بأنها مشروطة، فيما ظل سؤال هويتها يلاحقها من دون أن تجد من يجيب عنه.
في السادسة عشرة من عمرها، قررت أن تمنح نفسها فرصة جديدة خارج أسوار الميتم. أبلغت الراهبة المسؤولة بقرارها المغادرة، لكنها لم تتوقع أن يكون الوداع مقتضباً إلى هذا الحد.
تقول "قالت لي فقط: الله معك". حملت أغراضها في أكياس نفايات وغادرت، من دون أن تسمع، كما تروي، كلمة وداع أو عبارة "انتبهي على حالك"، أو أي شعور يمنحها إحساساً بأنها كانت يوماً تنتمي إلى ذلك المكان.
خرجت وفي ذهنها أحلام بسيطة، أن تكمل تعليمها، وأن تجد عملاً يعينها على تأمين مصروفها وبناء حياة مستقلة. لكنها سرعان ما اصطدمت بحقيقة أخرى لم تكن تعرفها. فكل باب كانت تطرقه كان يبدأ بالسؤال نفسه "أين أوراقك الثبوتية؟". عندها فقط اكتشفت أن معركتها بدأت للتو لإثبات وجودها القانوني.
تعترف قائلةً "كنتُ أريد أن أدرس وأعمل، لكن الجميع كان يطلب الهوية أو إخراج القيد. لم أكن أعرف حتى ما هي هذه الأوراق، لأكتشف أنني مكتومة القيد، ولا أملك أي مستند يثبت أنني موجودة".

كلمات لمست الجرح الأعمق
ومنذ تلك اللحظة، تحوّل حلمها بحياة جديدة إلى رحلة طويلة لإثبات حق بديهي حُرمت منه منذ ولادتها: الاعتراف بوجودها.
"أن تكون من دون هوية، كأنك إنسان على هامش الحياة... كأنك غير موجود". بهذه الكلمات تختصر جويس المرحلة التي أعقبت خروجها من الميتم، حين اكتشفت أن الحرية التي حلمت بها لم تكن كافية لتمنحها بداية جديدة.
وجدت نفسها في مواجهة عالم لم تعرفه من قبل، تحاول أن تملأ الفراغ بأي وسيلة. خاضت تجارب كانت تعتقد أنها ستمنحها الشعور بالانتماء أو تعوّض سنوات الحرمان، لكنها سرعان ما أدركت أنها لا تقدم سوى فرح عابر.
توضح "جرّبت السهر والشرب، لكنني لم أكن سعيدة. شعرت أن هذه ليست الحياة التي أبحث عنها. كنت أتوق إلى فرح حقيقي، وإلى حياة أستطيع أن أحقق فيها ذاتي".
توقفت جويس عند مفترق طرق. بلا هوية، وبلا عائلة، وبلا شخص تستند إليه، بدا المستقبل مغلقاً أمامها. وفي خضم هذا التيه، تذكرت المرشدة الروحية هدى، المرأة الوحيدة التي لم تنقطع عن السؤال عنها منذ وجودها في الميتم، وكانت تصطحبها بين الحين والآخر إلى منزلها لتقضي يوماً مع عائلتها، فتختبر للمرة الأولى معنى الدفء العائلي الذي حُرمت منه.
من اتصال إلى احتضان لمست فيه جويس كيف يكون الحب غير المشروط وكنف العائلة والعطاء المجاني. بقيت جويس في منزل هدى أياماً قبل أن تجد شقة صغيرة تسكن فيها. كانت جويس تزور عائلة هدى وتقضي وقتها. هناك، اختبرت للمرة الأولى معنى الانتماء الذي حُرمت منه طويلاً.
تصف تلك اللحظات "عرفت للمرة الأولى ما هي العائلة، وما هو الحب غير المشروط. أحبوني كما أنا، من دون أن يطلبوا مني أن أكون شخصاً آخر".
كانت هدى وعائلتها يحملان يسوع في حياتهما وأفعالهما، كانت الأحاديث عن يسوع ومحبته تمرّ بهدوء، فيما بقيت جويس ترفض الاقتراب من هذا العالم الذي لم تكن تشعر أنه يعنيها.
لكن في إحدى اللحظات التي كانت فيها غارقة في القلق والحزن، مثقلة بمسؤولياتها اليومية، وتكافح لتأمين مصاريفها والبحث عن مكان لها في الحياة، وقعت يدها على الإنجيل الذي كانت قد أهدتها إياه عائلة هدى. وفتحت صفحاته عشوائياً، لتستوقفها عبارة لم تغادر ذاكرتها منذ ذلك اليوم "إن أبي وأمي قد تركاني، فالرب يضمّني".
تقول إن تلك الكلمات لامست الجرح الأعمق الذي حملته منذ طفولتها، وكأنها المرة الأولى التي شعرت فيها بأن أحداً يخاطب ألمها مباشرة، وأنها ليست متروكة كما اعتقدت طوال سنوات. ومن تلك اللحظة، بدأت رحلتها تتخذ اتجاهاً مختلفاً، وتغيّرت نظرتها إلى نفسها وإلى الحياة.
بداية الحلم
من تلك اللحظة تغيّرت حياة جويس رأساً على عقب، تصف تلك المرحلة بأنها كانت "خرطوشتي الأخيرة في هذه الحياة". شيئاً فشيئاً، بدأت تكتشف الإيمان بطريقة مختلفة، وتقول "أدركتُ أن لديّ أباً سماوياً، وهذا وحده كان كافياً لأكمل حياتي. أصبح هو مصدر قوتي وفرحي".
اليوم، ولدت جويس بروح جديدة، سامحت والدتها بعد سنوات من الكره والغضب وتصالحت مع آلامها التي رافقتها منذ طفولتها. واليوم، أصبح حلمها انتزاع حقها في هوية قانونية، بعدما عاشت سنوات طويلة بلا اسم معترف به ولا أوراق تثبت وجودها.
بالنسبة إليها، الحصول على الهوية هو بداية الحلم، والمفتاح الذي سيمكّنها من تحقيق الحلم الذي رافقها منذ خرجت من الميتم: إنشاء دار تحتضن الأطفال المتروكين ومكتومي القيد، وتمنحهم ما افتقدته هي في طفولتها؛ الأمان، والانتماء، والحب غير المشروط.
تقول إنها تريد أن تكبر معهم، وتزرع فيهم القناعة بأن قسوة البدايات لا تعني بالضرورة قسوة النهايات، وأن الإنسان قد يُحرم من عائلة أو هوية، لكنه لا يُحرم حقه في الأمل، ولا في حياة تستحق أن تُعاش.
نبض