مجزرة كورنيش المزرعة: 6 صواريخ قاتلة وقصص تُروى عن جثث وأشلاء

تحقيقات 08-05-2026 | 00:26

مجزرة كورنيش المزرعة: 6 صواريخ قاتلة وقصص تُروى عن جثث وأشلاء

يبدو الحي اليوم كأنه انهار دفعةً واحدة. وبين الركام والقلق، يتمسّك الأهالي بخيط أمل: أن تعود الحياة تدريجاً إلى هذا المكان وينتهي المسح الميداني للكشف عن الخسائر الفعلية الناتجة من مجزرة 8 نيسان.
مجزرة كورنيش المزرعة: 6 صواريخ قاتلة وقصص تُروى عن جثث وأشلاء
كورنيش المزرعة في العاصمة بيروت في 9 نيسان 2026 (تصوير حسام شبارو)
Smaller Bigger

لا يزال سكان كورنيش المزرعة عاجزين عن استيعاب حجم المجزرة التي ضربت المنطقة في 8 نيسان/إبريل 2026، في يومٍ سمي "الأربعاء الأسود"، نظراً الى كثرة الضربات التي طاولت مناطق عدة في لبنان. بصدمةٍ واضحة، يردّد الأهالي عبارة واحدة: "ما حدا توقّع الضربة هون… يلي صار مجزرة حقيقية".

 

أحد سكان المنطقة، الذي نجا بأعجوبة بعدما غادر المكان قبل دقائق من القصف، يصف المشهد قائلاً: "كان أشبه بانفجار 4 آب، لكن بصورة مصغّرة". ووفق إفادات سكان وشهود عيان، سقط ما بين 6 و8 صواريخ ضمن بقعةٍ جغرافية محدودة، طاولت مستودعاً للتخزين قرب موقف سيارات خلف محمصة الرفاعي، إضافة إلى المبنى المقابل له. وأسفر القصف الجوي عن أضرار جسيمة لحقت بما لا يقل عن ستة مبانٍ، إضافة الى تحطّم واجهات زجاجية في الأبنية والمحلات المجاورة.

 

وحتى الآن، لا تزال الحصيلة غير نهائية، في غياب أرقامٍ رسمية مفصلة لعدد الضحايا والجرحى والمفقودين في مختلف المناطق المستهدفة خلال تلك المجزرة. غير أن معلومات متقاطعة تشير إلى سقوط نحو 25 ضحية و160 جريحاً في كورنيش المزرعة وحده، من دون تسجيل أي مفقودين حتى اللحظة.

 

 

تاريخ كورنيش المزرعة

هذه المنطقة، التي حمل اسمها دلالة زراعية واضحة، وجدت نفسها اليوم أمام تاريخ أقسى وفصلٍ دموي سيبقى محفوراً في ذاكرة هذه المنطقة. ويوضح المحامي والمؤرخ زكريا الغول الحائز دكتوراه في التاريخ السياسي، أن كورنيش المزرعة كانت منطقة زراعية تُشكّل الامتداد الطبيعي لمدينة بيروت. ومع تطور المدينة في أواخر العهد العثماني تحوّلت إلى ممرٍ حيوي يربط بيروت بمحيطها. ويختصر هذا التحوّل بالقول "كورنيش المزرعة تعكس التحول من الريف إلى المدينة".

 

صورة قديمة لكورنيش المزرعة عام 1982
صورة قديمة لكورنيش المزرعة عام 1982

 

ومع دخول مرحلة الانتداب، كما يشير، اكتسبت المنطقة ملامحها العمرانية الحديثة، فتحوّلت إلى شارعٍ منظّم ومركز حضري بارز، ظهرت فيه المؤسسات التعليمية والإدارية، واتسع ليصبح مساحةً مفتوحة للحياة الاجتماعية والسياسية. شهدت شوارعه تحركات وتجمعات، واحتضن نبض بيروت اليومي، حتى بات واحداً من شرايينها الحيوية.

 

لكن هذا الإرث التاريخي والديموغرافي يجد نفسه اليوم في مواجهة واقع مختلف تماماً. فكما يردد السكان، "مع كل عرس إلها قرص"، غير أن ما قبل الثامن من نيسان لم يعد يشبه ما بعده. الخوف يخيّم، والترقّب يسكن التفاصيل، فيما بدأ نزوح صامت لسكان الأبنية المتضررة والمحيطة بالموقع المستهدف.

 

يبدو الحي اليوم كأنه انهار دفعةً واحدة، وبين الركام والقلق، يتمسّك الأهالي بخيط أمل: أن تعود الحياة تدريجاً إلى هذا المكان وينتهي المسح الميداني للكشف عن الخسائر الفعلية الناتجة من مجزرة 8 نيسان.

 

صورة لكورنيش المزرعة عام 1987(صورة أرشيفية - النهار)
صورة لكورنيش المزرعة عام 1987(صورة أرشيفية - النهار)

 

 

توثيق الكارثة 

 

ضحايا مرّوا من هنا بصمت، من دون صور ولا حتى أسماء. كثيرون منهم كانوا يعملون في المستودع، كما يؤكد أهالي الحيّ، فيما بقي بعض الوجوه حيّاً في ذاكرة الجيران، مثل نادر خليل. ذلك الموظف الذي لم تفارق الابتسامة وجهه يوماً، وكان يمازح الجميع بخفة روحه. هكذا يتذكرونه… قبل أن يسقط ضحية غارة إسرائيلية استهدفت المستودع خلف محمصة الرفاعي، الذي عمل فيها نحو 35 عاماً من عمره.

 

رحل نادر، وبقيت المحمصة مفتوحة على فراغٍ ثقيل. الحزن يخيّم على المكان، يشبه في ثقله سحابة الدخان السوداء التي ما زالت عالقة في السماء، شاهدة على قسوة ما حدث.

 

على الأرض، تسبقك الرائحة. قاسية، خانقة، لا تشبه مرور تسعة أيام على المجزرة. ما إن تطأ قدماك موقف السيارات، حيث احترق أكثر من 50 سيارة في البقعة نفسها التي تضم المستودع المستهدف، حتى تدرك أن آثار الضربة لم تنتهِ بعد.

 

نادر خليل الذي سقط في غارة كورنيش المزرعة (تعزية من محمصة الرفاعي التي عمل لأكثر من 35 عاماً)
نادر خليل الذي سقط في غارة كورنيش المزرعة (تعزية من محمصة الرفاعي التي عمل لأكثر من 35 عاماً)

 

تتضارب الروايات حول ما جرى. تقول إسرائيل إنها استهدفت مستودعاً يحتوي على أسلحة تابعة لـ"حزب الله"، وتؤكد أنها قصفته بأربعة صواريخ. في المقابل، يجزم السكان بأن المستودع كان يضم مساعدات غذائية وإسطوانات  غاز مخصصة للنازحين، إلى جانب مبنى سكني يضم عيادات طبية وشققاً سكنية.

 

لم يقتصر القصف على هذا الموقع. فالمبنى المقابل تعرّض بدوره لأربع غارات، خلّفت أضراراً جسيمة، من دون تسجيل ضحايا، لكن مع وقوع إصابات متفاوتة بين سكانه. بين هذه الروايات، يبقى الثابت الوحيد: مساحة من الدمار، ووجوه غابت، وأخرى ما زالت تبحث عن إجابات.

 

 

لم يبقَ شيء

 

يستعيد ربيع مغربي اللحظة التي غيّرت كل شيء. الصاروخ الذي سقط في شقته في الطابق الثاني من مبنى "بيلا فلورا" لم يدمّر الجدران فقط، بل أصاب ما هو أعمق. يقول: "عندما سمعتُ دوي الغارة، كنت قريباً وقلت لصديقي: راح البيت". في تلك اللحظة، شعر أن جنى عمره يتهاوى، قبل أن يرى الخراب بعينيه.

 

يؤكد وهو ينظر حوله إلى الركام في شقته: "لم يبقَ شيء… خسرت ذكرياتي التي لا تُعوّض. يمكن أن تبني منزلاً جديداً، لكنك لن تستعيد ما فقدته من تفاصيل وذكريات". يقدّر خسارته بنحو 300 ألف دولار، يعترف: "عندما تنظر حولك، تجد أن خسارة الأرواح أقسى… الحمد لله".

 

اليوم، تتحوّل معاناته ومعاناة السكان إلى مناشدةٍ واضحة: ضرورة تدعيم المبنى، ليتسنى للأهالي ترميم شققهم والعودة إليها، خصوصاً أن عدداً كبيراً منهم من كبار السن والمتقاعدين، الذين لا يملكون ترف البدء من جديد.

 

المبنى الذي يناهز عمره سبعين عاماً، يُعدّ من أكبر الأبنية في كورنيش المزرعة، بحسب مغربي. يضم 29 شقة سكنية موزعة على "بلوكين"، أحدهما يضم 14 شقة، والآخر 15، إضافة إلى ثلاثة محلات تجارية. كتلة سكنية كاملة، اختُزلت فجأة في مشهدٍ من الركام والقلق.

 

الأضرار في كورنيش المزرعة بعد الغارة الإسرائيلية (تصوير نبيل اسماعيل- النهار)
الأضرار في كورنيش المزرعة بعد الغارة الإسرائيلية (تصوير نبيل اسماعيل- النهار)

 

الحيّ، الذي كان يعجّ بالحياة وحركة السير التي لا تهدأ، يبدو اليوم كأنه يعيش على إيقاعين متناقضين: جمود ثقيل تفرضه فجوة الدمار والردم، يقابله إصرار خجول على استعادة الحياة. ورش ترميم صغيرة، وأيادٍ تحاول لملمة ما يمكن إنقاذه، في محاولة للمضي قدماً، ولو بخطى بطيئة.

 

ورغم حجم الدمار، لم تُسجّل وفيات داخل المبنى. إلا أن صاحب "بيلا فلورا" يرقد في العناية الفائقة، في حالة حرجة، فيما أصيب عدد من السكان بجروح راوحت بين الطفيفة والمتوسطة. وبين النجاة والخسارة، يبقى هذا المبنى شاهداً على لحظة كان يمكن أن تكون أكثر قسوة.

 

أشلاء بين الركام

 

في موقف السيارات، حيث خلّفت الغارات فجوةً عميقة في الأرض، يقف عباس مصطفى، أحد عناصر فرق البحث والإنقاذ في "الهيئة الصحية"، يتابع بصمتٍ أعمال رفع الركام. مهمته لا تنتهي مع إزالة الردم، بل تمتدّ إلى ما هو أثقل: التأكد من عدم بقاء أي أشلاء بين الركام.

يوضح أنه "ما زلنا، حتى بعد أيام على المجزرة، نعثر على أشلاء مبعثرة. وجدنا يداً في الطابق الثاني من المبنى المجاور، وقبلها بيوم عثرنا على جثةٍ قُذفت إلى الطابق الثالث من شدة الانفجار. حتى قرب جسر سليم سلام، كانت هناك أشلاء متناثرة". 

 

رغم اعتياد فرق الإنقاذ على أصعب الظروف، يعترف مصطفى بأن ما حدث فاق التوقعات: "لم نتوقع هذا العدد من الضربات… ثماني غارات في بيروت خلال خمس دقائق فقط". دقائق كانت كفيلة إدخال المنطقة في حالة من الفوضى والهلع، إذ نُقل الجرحى في البداية على دراجات نارية، بعدما عجزت سيارات الإسعاف وحدها عن استيعاب هذا العدد الكبير من المصابين.

 

حين يكون عصف الانفجار بهذه القوة، تختلط المشاهد: دمار واسع، جثث مشوّهة، أشلاء متناثرة، ومفقودون لا يُعرف مصيرهم. سواد كثيف غطّى الأبنية المحيطة بموقف السيارات، كأنه طبقة أخرى من الذاكرة التي ترفض أن تمحى.

 

الدمار في كورنيش المزرعة في 9 نيسان 2026 (تصوير حسام شبارو- النهار)
الدمار في كورنيش المزرعة في 9 نيسان 2026 (تصوير حسام شبارو- النهار)

 

وسط هذا الخراب، تبدو النجاة أحياناً أقرب إلى المعجزة. من بين هؤلاء صادق مبروك، الذي كان في سوريا لحظة القصف، فيما كانت عائلته داخل المنزل. يعترف: "الله ستر… لم نتخيل يوماً أن تُقصف هذه المنطقة. كنا نظن أننا بأمان".

 

لكن ما يبقى الأكثر قسوة، بحسبه، هو مشهد العائلات التي تجوب المكان حاملة صور أحبائها، بحثاً عن إجابة. كثيرون كانوا يعملون في المستودع، من جنسيات مختلفة، ومنذ ذلك اليوم المشؤوم في الثامن من نيسان، لم يُعرف عنهم شيء. وجوههم تحوّلت إلى صور، وقصصهم إلى انتظار مفتوح على كل الاحتمالات.

 

يستعيد حسام الخطيب، الذي يملك مع قريبه محلاً صغيراً في الشارع المستهدف، اللحظات الأولى للغارة كأنها لا تزال تتكرر أمامه. يقول إن صوت الصاروخ الأول اخترق كل شيء، قبل أن يتحوّل المشهد إلى صمتٍ مشوّش: "لم أعد أسمع شيئاً… طنين في أذنيّ حجب باقي الأصوات".

 

يتوقف قليلاً، ثم يتابع: "سحابة دخان سوداء غطّت الشارع بالكامل، إلى درجة أنك لا ترى يدك أمامك". في تلك اللحظات، بدأت السيارات في موقف قريب تشتعل واحدة تلو الأخرى، فيما كانت صرخات الناس تملأ المكان.
يصف ما جرى بكلماتٍ موجعة: "كانت ضربة خطيرة جداً… كأن القيامة قامت".

 

لم يكن سهلاً عليه أن يستوعب ما رآه أو أن يصفه بدقة. يشير إلى أنه للحظة ظنّ أن المنطقة بأكملها قد مُحيت، قبل أن تتضح معالم موقع الاستهداف وسط الفوضى والركام. ونحن نسأل: لماذا محيت؟ ولماذا لقي هؤلاء اللبنانيين حتفهم في غفلة منهم؟

  
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/6/2026 10:20:00 AM
قرار توحيد القوات المسلحة عام 1976 أثبت خلال الاعتداءات الإيرانية الأخيرة قدرته على حماية الاتحاد عبر منظومة موحّدة تمتصّ الهجمات وتمنع انتقالها إلى الداخل.
الخليج العربي 5/6/2026 3:44:00 PM
استمع من القائمين على المنصّات إلى شرح حول أبرز المبادرات والمشاريع الجديدة التي أعلنت خلال الفعاليات
المشرق-العربي 5/6/2026 3:04:00 PM
تؤكد مصادر عراقية مطلعة، لـ"النهار"، أن خطوة الفصائل تأتي في إطار سعيها إلى تثبيت حضورها داخل العمل السياسي، وتهيئة نفسها لدخول حكومة علي الزيدي.
المشرق-العربي 5/6/2026 12:06:00 PM
في المقابل، لا تزال جهود الوسطاء مستمرّة...