في طريقها لمساعدة نازحين… انتهت حكاية رنا ملاعب في مجزرة كيفون

تحقيقات 25-04-2026 | 06:00

في طريقها لمساعدة نازحين… انتهت حكاية رنا ملاعب في مجزرة كيفون

في عيون العائلة، تختصر الحكاية كلّها. وجع صامت، ودموع تسبق الكلام. رنا، الأم والزوجة، التي كانت تضجّ حياةً، صارت اليوم ذكرى مثقلة بالفقد.
في طريقها لمساعدة نازحين… انتهت حكاية رنا ملاعب في مجزرة كيفون
الضحية رنا ملاعب التي سقطت في مجزرة كيفون - عاليه (الصورة من الموقع الاجتماعي)
Smaller Bigger

يدخل نرام ملاعب، ابن الضحية رنا حسيكي ملاعب التي استشهدت مع 24 آخرين في مجزرة كيفون ، إلى غرفتها التي ما زالت كما تركتها في الثامن من نيسان، ذلك اليوم المشؤوم  في لبنان. يمرّ ببطء بين تفاصيلها، يشمّ رائحتها العالقة في الملابس، ويتأمل الأغراض التي بقيت في أماكنها، كأنها تنتظر عودتها.

 

من كيفون إلى بيصور، كانت الطريق أثقل من أن تُحتمل. كلما اقتربنا من منزل العائلة، كان الوجع يشتدّ. خرجت رنا صباحاً لتأمين أدوية لنازحين، ولم تكن تعلم أنها ستعود ضحية مجزرة لم ترحم أحداً.

 

 

 

على الدرج المؤدي إلى المنزل، يبدأ الصمت الثقيل برواية ما حدث. في الداخل، تستقبلك صورتها الكبيرة إلى جانب صديقتها سوزان الخليل، التي رحلت معها حين أغارت الطائرات الاسرائيلية على المكان. رحلتا معاً، كما عاشتا، لا تفترقان.

 

في عيون العائلة، تختصر الحكاية كلّها. وجع صامت، ودموع تسبق الكلام. قبل أن نبدأ الحديث، كانت القصة واضحة: رنا، الأم والزوجة التي كانت تضجّ حياةً، صارت اليوم ذكرى مثقلة بالفقد.

 

يروي نرام (19 عاماً) لـ"النهار" تفاصيل اللحظات الأخيرة التي سبقت مغادرة والدته المنزل في ذلك الأربعاء الأسود. يقول "أنهت تحضير الغداء، ثم التفتت إليّ وقالت: لا تنسَ أن تُغلق الباب. قبّلتني وغادرت… لكن هذه المرة، لم تعد".

 

يستعيد ذلك اليوم الثقيل، يوم المجزرة، حين بدأت الاتصالات تتوالى من الأقارب للاطمئنان على العائلة، قبل أن ينقلب كل شيء في لحظة. "اتصلت بوالدي وشقيقي في العمل لأتأكد أنهما بخير، ثم حاولت الاتصال بوالدتي، لكن هاتفها كان خارج الخدمة"، وفق نرام. ومع تزايد القلق، وبعد معرفة موقع الغارة، حيث كانت تتواجد برفقة صديقتها الصحافية سوزان الخليل، بدأت رحلة البحث عنها في المستشفيات.

 

اللقاء الأصعب

هناك، في مستشفى قبرشمون، كان اللقاء الأقسى. وجدها زوجها أولاً، قبل أن يتصل بنرام ويطلب منه الحضور. يروي بصوت مثقل "أخبرني والدي أنها استشهدت… ولم يسمح لي برؤيتها، كي تبقى صورتها الجميلة كما هي في ذاكرتي".

 

هكذا تحاول العائلات أن تحمي ما تبقّى من الذكريات. وهكذا، أيضاً، وجدت عائلات كيفون نفسها أمام فاجعة لا تُحتمل، تعيشها بين وجعٍ صامت ودموعٍ لا تنتهي وفقدٍ يتجاوز الكلمات.

 

 

كانت علاقة نرام بوالدته وثيقة إلى حدّ يصعب وصفه. يعترف "كنت أخبرها بكل شيء… وهي أيضاً. كنا نقضي وقتاً طويلاً معاً، وغيابها ترك فراغاً كبيراً في حياتنا وفي المنزل". لم تكن أمّاً فحسب، بل كانت صديقته الأقرب ومرآته اليومية.

 

لطالما شجّعته على متابعة دراسته واختيار المهنة التي يحبها، وكانت توصيه دائماً بالاهتمام بشقيقه. يستعيد كلماتها "كانت تردد لي دائماً اهتم بخيك وخليكن دايماً سوا". وصايا بسيطة، لكنها اليوم أصبحت أثقل من أن تُحمل.

 

أمل واحد 

يعيش نرام على وقع ذكرياتها؛ صوتها لا يزال يتردّد في أذنيه، وتفاصيلها حاضرة في كل زاوية من المنزل، وفي أدقّ تفاصيل يومه. يتمسّك بأمل واحد "أن تبقى قصص الضحايا حيّة… كي لا يطويهم النسيان، وكي تبقى هذه المجزرة محفورة في الذاكرة".

 

في الجهة المقابلة، لم تجف دموع وفاء ملاعب، شقيقة زوج رنا. كانت كلماتها تخرج مثقلة بالحسرة، كأنها تنتزع من قلبها "خسارة رنا لا تُختصر بالعائلة فقط، بل بكل من عرفها. كانت إنسانة نابضة بالحياة، مفعمة بالحب وروح العطاء… وكل الكلمات تعجز عن إنصافها". 

 

 

ولمن لم يعرف رنا، تحاول وفاء أن ترسم ملامحها بالكلمات، تروي "منذ الحرب الماضية، بدأت رنا مع صديقتها الصحافية سوزان الخليل بمساعدة النازحين، فكانتا تؤمّنان الأدوية والحاجات الأساسية للناس. كرّست وقتها للعمل الإنساني، ولم تفرّق يوماً بين أحد. كان همّها أن تؤمّن الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة للنازحين وتلبّي احتياجاتهم".

 

حوّلت رنا منزلها إلى ما يشبه السوبرماركت. كانت توضّبها بيديها، وتنسّق نقلها إلى مراكز الإيواء في المنطقة. وفي الثامن من نيسان 2026، كانت إلى جانب سوزان، تعملان على تأمين الأدوية لتوزيعها، قبل أن تقتلهما إسرائيل  مع عدد من المدنيين داخل الصيدلية والمبنى المستهدف في كيفون – عاليه.

 

ما يؤلم وفاء أكثر من الفقد نفسه، هو ما تراه تبريراً لهذه الجرائم. تُعبر بحرقة "الموت لا يُبرَّر، وما جرى كان مجزرة بحق أناس أبرياء. هذه المجزرة مزجت دماء الشيعي والمسيحي والدرزي… من أجل الوطن".



الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
تحقيقات 4/25/2026 6:00:00 AM
في عيون العائلة، تختصر الحكاية كلّها. وجع صامت، ودموع تسبق الكلام. رنا، الأم والزوجة، التي كانت تضجّ حياةً، صارت اليوم ذكرى مثقلة بالفقد.