كندا وأميركا... جيرة قرون خرّبتها حرب تجارية

دوليات 31-08-2026 | 15:40

كندا وأميركا... جيرة قرون خرّبتها حرب تجارية

جيرة عمرها قرون تهتز تحت حرب الرسوم: كندا ترد على ترامب بأكثر من 700 سلعة، وكارني يراهن على أوروبا في أخطر مواجهة تجارية بين الجارين منذ عقود.
كندا وأميركا... جيرة قرون خرّبتها حرب تجارية
أشخاص يسيرون عند الغروب قرب شاطئ بحيرة أونتاريو في تورونتو، في 27 آب/أغسطس 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

بدت العلاقة التي جمعت كندا بالولايات المتحدة، في بعض جوانبها الاقتصادية والأمنية، شبيهة بالعلاقة بين دول الاتحاد الأوروبي، باستثناء العملة المشتركة والمؤسسات السياسية الموحدة، مثل البرلمان الأوروبي.

وتجمع البلدين أطول حدود برية غير محصنة عسكرياً في العالم، مع حركة عبور واسعة وتعاون مشترك في حمايتها ومكافحة الجريمة. واعتمدتا اتفاقيات التجارة الحرة لتسهيل بيع السلع وشرائها، بما يشبه السوق المشتركة في الاتحاد الأوروبي.

تاريخياً، ترسخت العلاقات التجارية بين البلدين باتفاقية التجارة الحرة الثنائية عام 1989، التي توسعت عام 1994 لتشمل المكسيك تحت مظلة اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (NAFTA)، ممهدة لعقود من التكامل الاقتصادي.

وفي عام 2020، دخلت الاتفاقية التجارية الجديدة (USMCA) حيز التنفيذ بدلاً من "نافتا". ورغم استقرار التجارة لسنوات، فإن صعود النزعات الحمائية الأميركية خلق قيوداً متزايدة على كندا.

 

حرب تجارية

 

مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، بدأ كل شيء يتغير. ففي شباط/فبراير 2025، أصدر البيت الأبيض أمراً تنفيذياً فرض بموجبه رسوماً جمركية تصل إلى 25 في المئة على السلع الواردة من كندا والمكسيك، تحت شعار مواجهة الهجرة غير الشرعية وتهريب مخدر الفنتانيل.

استمرت الأمور بين مد وجزر حتى آب/أغسطس الجاري، حين انهارت المفاوضات التجارية بين البلدين بعدما طرحت واشنطن شروطاً اعتبرتها أوتاوا مجحفة، وتحد من حريتها في إبرام اتفاقيات تجارية مستقبلاً، وتضر بقطاع السيارات بصورة أساسية. وما كان من رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلا أن أعلن تعليق المفاوضات، فجاء رد واشنطن بفرض رسوم بنسبة 50 في المئة على سلع كندية بقيمة 20 مليار دولار.

وفي خضم هذا التصعيد التجاري، رفع كارني شعار "الدولار مقابل الدولار". وبناءً عليه، أعلنت الحكومة الكندية قائمة تضم أكثر من 700 سلعة أميركية ستخضع لرسوم انتقامية تصل إلى 50 في المئة، مستهدفة قطاعات حيوية كالصلب والأجهزة الكهربائية ومنتجات الألبان، على أن تدخل حيز التنفيذ مطلع أيلول/سبتمبر 2026.

الدكتور جيفري دفوركين، زميل أول في كلية ماسي في "جامعة تورنتو"، يصف الرئيس الأميركي بأنه "نرجسي خبيث، وقد التقى أخيراً بشخص كارني الذي كشف زيفه. هذه بداية النهاية لأسلوبه الترهيبي". ويعيد، في حديثه مع "النهار"، أسباب هذه الحرب التجارية إلى أن "ترامب لا يزال يتصرف كمفاوض عقارات نيويوركي، ولا يعرف طريقة أخرى لإبرام صفقة".

أما النظرة الأميركية إلى المسألة، فتقع على طرف نقيض من نظيرتها الكندية. ويعبّر عنها هارلي ليبمان، ، المستشار السابق لأربعة رؤساء أميركيين من الحزبين الجمهوري والديموقراطي، الذي يرى أن "الرئيس ترامب يحاول أن يحمي المزارعين والعمال والتجارة الأميركية، لذلك يريد أن يخرج باتفاق هو الأفضل بالنسبة إلى الأميركيين. ويعتقد أن الدول الأجنبية تحظى بأفضلية غير متكافئة في التبادل التجاري مع الولايات المتحدة".

وفي حديثه مع "النهار"، يشير إلى أنه لهذه الأسباب "تظهر الولايات المتحدة وكأنها متنمرة، لكن الحقيقة أن كندا هي من أوقفت المفاوضات، بينما الرسوم الجمركية لا تشمل سوى خمسة في المئة من الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة".

وفي السياق، يرى ليبمان أن كارني يعمل على "تسييس المسألة" لرفع شعبيته وتعزيز موقعه أمام معارضيه، و"إظهار نفسه وكأنه المدافع عن الهوية الكندية".

 

شخص يلتقط صورة للافتة الجديدة لبحيرة أونتاريو، في 29 آب/أغسطس 2026. (أ ب)
شخص يلتقط صورة للافتة الجديدة لبحيرة أونتاريو، في 29 آب/أغسطس 2026. (أ ب)

 

رهان القوى المتوسطة

 

في مؤتمر دافوس لهذا العام، أطلق كارني استراتيجية دولية شاملة تحت عنوان "مبدئية وبراغماتية: مسار كندا". وركز فيها بصورة أساسية على إعادة تعريف دور "القوى المتوسطة" (Middle Powers) في مواجهة "تغول وممارسات القوى العظمى".

وأعلن صراحة انتهاء النظام الدولي القائم على القواعد المشتركة، مشيراً إلى أن العالم يشهد "تمزقاً"، لا مرحلة انتقالية عادية.

وفي خطابه، الذي وُصف بالتاريخي، انتقد كارني تحويل القوى العظمى الروابط الاقتصادية إلى أسلحة، واستخدام الرسوم الجمركية وسلاسل الإمداد وسائل للابتزاز الجيوسياسي، ما فُسر على أنه رسالة مباشرة إلى إدارة ترامب.

وانطلاقاً من هذه الاستراتيجية، بدأ كارني تعميق العلاقات الاقتصادية وبناء شراكات وثيقة مع البرلمان الأوروبي والاتحاد الأوروبي لمواجهة الضغوط الأميركية.

وفي هذا الإطار، يقول دفوركين: "لقد أصبح كارني فجأة ركيزة أساسية للاعبين الآخرين، وخصوصاً القوى المتوسطة في الاتحاد الأوروبي".

ويتوافق هذا الرأي، إلى حد معين، مع موقف ليبمان، الذي لا يستبعد أن "يتقرب رئيس الوزراء كارني أكثر من الأوروبيين في إطار سياسته بشأن دور القوى المتوسطة، لكن لن تكون هناك صداقة دائمة، فالمصلحة هي الدائمة. وبين كندا والولايات المتحدة الكثير من المصالح المشتركة، وبالتالي ستتوصلان إلى اتفاق".

 

استفزاز جغرافي

 

وعن استفزاز الكنديين عبر تغيير أسماء جغرافية، مثل اسم بحيرة أونتاريو، والحديث عن جعل كندا الولاية الأميركية الـ51، وإمكان بلوغ الخلاف حد تأييد انفصال ألبرتا، يجيب دفوركين بأن "ترامب كان أفضل هدية للوحدة الوطنية في كندا. يخسر الانفصاليون في ألبرتا في جميع استطلاعات الرأي".

ويستطرد: "وصف فرويد ذلك بأنه ’نرجسية الاختلافات الصغيرة‘. لا ينبغي أخذ الانفصاليين في ألبرتا على محمل الجد".

على المقلب الآخر، يقول ليبمان إن "ترامب يحب قول الأشياء بطريقة خشنة ومتطرفة، هذه هي استراتيجيته، ثم يعود إلى الوسط". ويعتقد أن "صفقة ستُعقد في نهاية المطاف، وأن هناك هامشاً متروكاً في المفاوضات".

وعند التوصل إلى اتفاق، سينخفض التوتر وتُستعاد الثقة التي تضررت، فكل من الدولتين تحتاج إلى الأخرى، و"المحادثات لا تزال سارية عبر الأقنية الخلفية". وبرأيه، ما يحصل من سجال هو "للاستهلاك السياسي".

 

صورة توضيحية تُظهر خرائط غوغل وهي تسمّي بحيرة أونتاريو بحيرة أميركا، وخلفها العلم الكندي مرفوعاً فوق البحيرة في تورونتو، 30 آب/أغسطس 2026. (أ ف ب)
صورة توضيحية تُظهر خرائط غوغل وهي تسمّي بحيرة أونتاريو بحيرة أميركا، وخلفها العلم الكندي مرفوعاً فوق البحيرة في تورونتو، 30 آب/أغسطس 2026. (أ ف ب)

 

بين حربين... إيران والتجارة

 

إذا كان ليبمان قد وضع الخلاف بين كندا والولايات المتحدة في سياق حسابات سياسية داخلية لرئيس الوزراء الكندي، فإن دفوركين يعتقد أن الرئيس الأميركي يريد استمالة الناخبين بإبعاد أنظارهم عن تبعات الحرب مع إيران، ويرى أن "الحرب مع إيران كانت خطأ تكتيكياً فادحاً. يحاول ترامب تشتيت انتباه الناخبين الأميركيين قبل انتخابات التجديد النصفي".

أما ليبمان، فيرى أن "ترامب هو ترامب، وكان سيُقدم على ذلك، أي فرض الرسوم الجمركية، في أي ظرف أو وقت. ومن وجهة نظره، يريد تحسين موقف الولايات المتحدة".

ويتابع أن ترامب شخصية لا تهدأ، ودائماً ما يقوم بأعمال غير متوقعة، و"لا أظن أنه يقوم بذلك لتشتيت الانتباه عن الحرب في إيران، خصوصاً أن الولايات المتحدة تربح هذه الحرب، ويكفي النظر إلى الواقع الاقتصادي في إيران، إلى جانب تأمين ممر لناقلات النفط عبر مضيق هرمز".

وينهي تعليقه بالتأكيد أن "سياسة ترامب تعطيه أفضلية في الانتخابات، لأنه يقدم الأمن الأميركي على أي شيء آخر".

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/29/2026 8:48:00 PM
عاد صانع المحتوى معتذراً للطيار والشعب السوري في مقطع فيديو آخر، مؤكداً أن الموقف كان عفوياً وأنه لم يقصد الإساءة.
المشرق-العربي 8/30/2026 6:52:00 PM
تمت مداهمة مكان اختبائه في مدينة صافيتا بريف طرطوس.‏
آراء 8/30/2026 1:13:00 PM
ماذا يحدث عندما تنشأ قطيعة خطيرة وغير قابلة للإصلاح بين البطريرك وسينودس أساقفة الكنيسة البطريركية، ويرفض البطريرك، رغم طلب السينودس، تقديم استقالته؟
العالم 8/29/2026 4:03:00 AM
تُوّج روكيدي الرابع ملكاً في 12 أيلول/سبتمبر 1995، وهو في الثالثة من عمره، عقب وفاة والده روكيراباسايجا باتريك ديفيد ماثيو كابويو أوليمي الثالث.